فادي السمردلي يكتب: الشفافية القانونية والاقتصادية في اتفاقيات الاستثمار بين الحكومة والمستثمرين مدخل لضمان التنمية وحماية المصلحة العامة
بقلم فادي زواد السمردلي ….
*#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال*
تُعد اتفاقيات الاستثمار التي تُبرم بين الحكومات والمستثمرين، سواء في القطاعات التقليدية أو الحيوية أو الناشئة، من أكثر الأدوات تأثيرًا في توجيه المسار الاقتصادي للدولة وفي رسم علاقتها بالقطاع الخاص المحلي والأجنبي وتبرز مسألة الشفافية القانونية والاقتصادية في هذه الاتفاقيات بوصفها عنصرًا حاسمًا لا يمكن تجاوزه، ليس فقط لضمان عدالة التعاقد وسلامته من العيوب القانونية، بل أيضًا لضمان أن تحقق هذه الاتفاقيات أهدافها التنموية دون أن تتحول إلى عبىء طويل الأمد على الدولة أو على المجتمع فالاستثمار، في جوهره، ليس مجرد تدفق لرأس المال، بل هو علاقة تعاقدية معقدة تتداخل فيها اعتبارات السيادة، والمصلحة العامة، والربحية، والاستقرار الاقتصادي.
من الناحية القانونية، تعني الشفافية وضوح الإطار التشريعي الذي يحكم إبرام اتفاقيات الاستثمار، بدءًا من القواعد الدستورية التي تحدد اختصاصات السلطة التنفيذية في التعاقد، مرورًا بالقوانين المنظمة للاستثمار والمناقصات والشراكات بين القطاعين العام والخاص، وصولًا إلى اللوائح والإجراءات التنفيذية فغياب الوضوح في هذه المنظومة يفتح الباب أمام الاجتهاد الإداري غير المنضبط، ويخلق بيئة خصبة للنزاعات القانونية التي قد تمتد آثارها لسنوات، وتعرض الدولة لمخاطر التعويضات والتحكيم الدولي كما أن الشفافية القانونية تقتضي أن تكون شروط الاتفاقيات واضحة ومعلنة، لا سيما ما يتعلق بمدة التعاقد، وحقوق والتزامات كل طرف، وحالات الإنهاء أو التعديل، وآليات تسوية النزاعات، بما يمنع تفسيرات متناقضة قد تُستغل لاحقًا على حساب المصلحة العامة.
أما من الزاوية الاقتصادية، فإن الشفافية تكتسب بعدًا لا يقل أهمية، نظرًا لما تترتب عليه اتفاقيات الاستثمار من آثار مباشرة وغير مباشرة على الاقتصاد الوطني فكثير من هذه الاتفاقيات تتضمن حوافز وإعفاءات ضريبية، أو ضمانات للعائد، أو التزامات مالية مستقبلية تتحملها الدولة، وهي عناصر يجب الإفصاح عنها بوضوح وتقييمها بدقة قبل إبرام الاتفاق فغياب الشفافية الاقتصادية يؤدي في كثير من الأحيان إلى إخفاء التكلفة الحقيقية للاستثمار، مما يخلق صورة مضللة عن جدواه، ويجعل المجتمع يتحمل أعباءً لم تُناقش علنًا ولم تخضع لتقييم موضوعي كما أن الإفصاح عن الأثر الاقتصادي المتوقع، سواء على فرص العمل أو على الميزان التجاري أو على المنافسة في السوق، يُعد شرطًا أساسيًا لاتخاذ قرار استثماري رشيد من جانب الدولة.
وتزداد أهمية الشفافية في القطاعات الاستراتيجية والحساسة مثل الطاقة، والموارد الطبيعية، والبنية التحتية، والخدمات العامة، حيث لا يقتصر أثر الاتفاقيات على العائد المالي، بل يمتد إلى الأمن الاقتصادي والاجتماعي، وإلى حقوق الأجيال القادمة في الموارد والخدمات ففي هذه القطاعات، قد تؤدي الاتفاقيات غير الشفافة إلى احتكار فعلي، أو إلى تحميل المستهلكين أسعارًا مرتفعة، أو إلى استنزاف الموارد دون مقابل عادل ومن هنا، فإن الموازنة بين حماية الأسرار التجارية المشروعة للمستثمر وبين حق المجتمع في المعرفة تمثل تحديًا حقيقيًا، لكنه تحدٍ لا يمكن حله على حساب مبدأ الشفافية والمساءلة.
كما تلعب الشفافية دورًا محوريًا في مكافحة الفساد وتعزيز الثقة في مؤسسات الدولة، إذ إن إتاحة المعلومات المتعلقة بمعايير اختيار المستثمرين، وأسباب ترسية المشاريع، وشروط التعاقد، تقلل من احتمالات تضارب المصالح ومن الشبهات المرتبطة بالمحاباة أو إساءة استخدام السلطة فتنعكس هذه الثقة إيجابًا على مناخ الاستثمار نفسه، لأن المستثمر الجاد يبحث عن بيئة مستقرة وواضحة القواعد، لا عن بيئة غامضة تقوم على العلاقات الشخصية والقرارات غير المعلنة.
وفي المحصلة، فإن الشفافية القانونية والاقتصادية في اتفاقيات الاستثمار لا ينبغي النظر إليها كقيد على حرية التعاقد أو كعامل طارد للاستثمار، بل بوصفها ضمانة أساسية لتحقيق استثمار مستدام ومتوازن يخدم أهداف التنمية ويحمي المال العام ويصون سيادة القانون فالدولة التي تُحسن إدارة الشفافية في علاقاتها التعاقدية مع المستثمرين إنما تؤسس لاقتصاد أكثر استقرارًا، ولنظام قانوني أكثر مصداقية، ولمجتمع أكثر وعيًا بحقوقه ومصالحه، وهو ما يشكل في النهاية أساسًا متينًا لأي نهضة اقتصادية حقيقية.
الكاتب من الأردن