لفهم ما يدور حاليا في الوطن العربي والعالم الإسلامي *قراءة في مخاض تحولات العالم الإسلامي (1839-1930)*
د. احمد العرامي …..
أن قراءة تاريخ الوطن العربي و العالم الإسلامي الحديث والمعاصر يجب ان تكون كسلسلة من الحوادث المتصلة ؛ كُتبت فصوله بمشاريع التفكيك الغربي، ودماء “المقاومة”، وصراع “الهوية” الحاد.
إن الفترة الممتدة من ثلاثينات القرن التاسع عشر وحتى ثلاثينيات القرن العشرين لم تكن مجرد تغيير في الخرائط، بل كانت إعادة هندسة شاملة لبنية المنطقة الجيوسياسية والثقافية.
التحول الاول : ثلاثينات القرن التاسع عشر.. بذور التفكيك والاختراق
في العقد الرابع من القرن التاسع عشر، واجهت الدولة العثمانية تاكلا بنيوياً من الداخل وتطويقاً استراتيجياً من الخارج. ويمكن اتخاذ عام 1839 كنقطة رصد لهذا المسار الانحداري.
1. استراتيجية التطويق البحري: عدن كنموذج
أن احتلال بريطانيا لعدن عام (1839)، وفي أواخر القرن التاسع عشر شهد ذروة تفعيل هذا الموقع في إطار “اللعبة الكبرى”. كانت عدن الركيزة التي سمحت لبريطانيا بإحكام القبضة على “طريق الهند” والتحكم في البحر الأحمر. هذا التواجد العسكري البحري كان المقدمة الضرورية التي عزلت العالم الإسلامي عن محيطه التجاري، وحولته من فاعل اقتصادي وسيط إلى مجرد سوق ومصدر للمواد الخام، مما مهد الطريق لاحقاً لاحتلال مصر (1882) والسودان، لإكمال طوق الهيمنة البحرية.
2. “التنظيمات الخيرية”:
كانت الدولة العثمانية تبتلع طُعم “التنظيمات الخيرية” عام1839، كانت هذه الإصلاحات محاولة لعصرنة الدولة (إدارياً، عسكرياً، وقانونياً) لمجاراة الغرب. لكن ادت هذه التنظيمات إلى فقدان السيادة؛ فقد تطلبت تمويلاً ضخماً لم تملكه الخزينة العثمانية، مما دفعها للاستدانة من البنوك الأوروبية بفوائد ربوية فاحشة.
أدى هذا المسار إلى إفلاس الدولة ، وتأسيس “إدارة الدين العام العثماني” التي رتهنت الاقتصاد العثماني للدائنين الأوروبيين. هذا الضعف المالي هو الذي شرعن التدخل السياسي المباشر، وسهل سقوط “الأطراف” (تونس 1881، مصر 1882) تحت ذريعة حماية مصالح الدائنين، لتتحول الإصلاحات من أداة للنهوض إلى معبر للاحتلال .
3. الاختراق الناعم:
في خضم هذا الضعف، برز الاختراق الصهيوني المبكر في ثوب خيري. يُعد السير “موسى مونتفيوري” (أول يهودي يحمل لقب “سير” في بريطانيا عام 1839) مهندس هذا الاختراق. عندما التقى بلسلطان محمود الثاني وحصوله على فرمانات سلطانية لم يكن حدثاً عابراً؛ بل كان استغلالاً لحاجة الدولة العثمانية للرضا الغربي .
تحت ستار “الإنسانية”، حصل مونتفيوري على إذن بناء أول مستشفى خارج أسوار القدس القديمة ولكنه خالف وشيد حي لليهود (حي مشكنوت شأنانيم/حي مونتفيوري). كانت هذه الخطوة اول محاولة لتحويل الوجود اليهودي من وجود ديني تقليدي (أهل ذمة) إلى وجود استيطاني ذي امتيازات أجنبية، مستفيداً من قوانين التنظيمات التي سمحت للأجانب بتملك الأراضي، مما شكل البذرة الأولى للمشروع الصهيوني قبل هرتزل .
التحول الثاني: عام 1924.. الانعطافة والتمزق
إذا كان القرن التاسع عشر هو مرحلة التمهيد، فإن عام 1924 كان عام الزلزال الذي ضرب المركز والأطراف، معلناً نهاية حقبة وبداية أخرى تتسم بالصراع الجذري على شكل الدولة والمجتمع.
1. الحجاز:
نجح عبد العزيز آل سعود في حسم الصراع وبسط سيطرته على الحجاز والأماكن المقدسة بدعم من بريطانيا. لم يكن هذا تغييراً سياسياً فحسب، بل تحولاً في “المرجعية”. بانتقال الوصاية على الحرمين الشريفين من إسطنبول والإشراف الهاشميين إلى نظام سياسي جديد يستند إلى تحالف ديني سلفي، تغيرت الخريطة الروحية للعالم الإسلامي، وبدأ تشكل قطب جديد في المعادلة الإسلامية .
وكانت بريطانيا تسعى بين الحربين العالميتين الأولى والثانية لجعل عبدالعزيز آل سعود أقوى حكام شبه الجزيرة العربية لتتمكن من زرع كيان العدو الصهيوني
2. التغريب القسري (أتاتورك، أمان الله، رضا شاه)
تزامن سقوط الدولة العثمانية مع صعود موجة عاتية من “التحديث السلطوي” الذي رأى في الإسلام عائقاً أمام التقدم.
في تركيا: قاد مصطفى كمال أتاتورك المشروع الأكثر راديكالية (بالمعايير السياسية البحتة). ألغى الخلافة، واستبدل الحرف العربي باللاتيني، وفرض العلمانية بالقوة
نجاحه الشكلي نبع من كونه “المنقذ العسكري” للأناضول، مما منحه شرعية فرض مشروعه.
في إيران: حاول رضا شاه بهلوي استنساخ تجربة أتاتورك، ففرض نزع الحجاب وتغيير الزي. لكن مشروعه اصطدم بالمؤسسة الدينية الشيعية القوية (الحوزة) التي حافظت على استقلاليتها، مما جعل تحديثه سطحياً وأقرب للاستبداد الملكي منه إلى التغيير البنيوي المجتمعي.
في أفغانستان: اندفع الملك أمان الله خان في إصلاحات متسارعة وغير مدروسة لطبيعة المجتمع القبلي المحافظ، محاولاً فرض السفور والتعليم الغربي دفعة واحدة. النتيجة كانت ثورة قبلية دينية أطاحت به، مما يثبت أن “التحديث” المفروض دون ظهير اجتماعي أو عسكري قوي يؤدي إلى نتائج عكسية.
التحول الثالث: عام 1930. المغرب العربي (الهوية كأداة مقاومة)
مع حلول عام 1930، انتقل الثقل الجهادي و النضالي إلى المغرب العربي، حيث اصطدمت المخططات الفرنسية والايطالية التي اعتقدت أنها “أنجزت المهمة” بجدار الهوية الصلب.
1. الجزائر:
في عام 1930، نظمت فرنسا احتفالات ضخمة بمناسبة مرور مئة عام على احتلال الجزائر، معلنة للعالم أن الجزائر أصبحت فرنسية إلى الأبد وأن الإسلام والعربية قد اندثرا.
كان الرد عميقاً؛ لم يكن ثورة مسلحة فورية، بل كان تأسيس “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين” عام 1931 بقيادة عبد الحميد بن باديس. رفعت الجمعية شعار “الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا
. كان هذا الرد استراتيجياً: تحصين العقل الجزائري وإحياء الهوية كشرط مسبق للتحرير السياسي، مما نسف سردية “الجزائر الفرنسية” من جذورها.
2. المغرب الأقصى:
في محاولة لتطبيق سياسة “فرّق تسد”، أصدرت فرنسا “الظهير البربري” لفصل الأمازيغ عن النظام القضائي الإسلامي (الشرع) وإخضاعهم للأعراف القبلية أو القوانين الفرنسية، تمهيداً لتمسيحهم وفرنستهم.
جاء الرد الشعبي مذهلاً ومبتكراً عبر “حركة اللطيف”؛ حيث خرج المغاربة في المساجد يقرؤون “اللطيف” (دعاء لدفع البلاء) ويرددون: “اللهم يا لطيف نسألك اللطف فيما جرت به المقادير، ولا تفرق بيننا وبين إخواننا البرابر”. حولت هذه الحركة المقاومة من نخبة سياسية إلى حالة دينية شعبية عارمة، أجبرت فرنسا على التراجع، ووحدت الصف الوطني المغربي.
وقد لقيت الحركة تجاوب في الجزائر وتونس وليبيا ومصر والحجاز
3. تونس:
نظمت فرنسا “المؤتمر الإفخارستي” (مؤتمر ديني كاثوليكي) في قرطاج، واعتبرت الحملة الصليبية الثامنة بقيادة لويس التاسع بداية للتنصير. أثار هذا الاستعراض الديني في بلد مسلم غضباً شعبياً واسعاً، وساهم في نضوج الحركة الوطنية، مما أدى إلى نشاة الحزب الدستوري الجديد وبروز قيادات شابة، ووضع الأساس الفكري عبد العزيز الثعالبي في كتابه “تونس الشهيدة” وتأسيس الحزب الدستوري ظل هو المحرك للهوية العربية الإسلامية.
4. ليبيا:
في عام 1930، ضيقت إيطاليا الخناق على المقاومة، وانتهى الأمر باعتقال وإعدام شيخ المجاهدين عمر المختار (1931).، كان إعدام المختار نهاية للمقاومة العسكرية ، لكنه تحول إلى “أسطورة مؤسسة” للوطنية الليبية والعربيةالاسلامية. أثبت الحدث أن القوة العسكرية الغاشمة قد تهزم الجيوش، لكنها تخلق رموزاً خالدة تمنع الذوبان وتؤجل المعركة إلى جيل قادم
عند النظر إلى هذه المحطات (1839، 1924، 1930) كسلسلة متصلة
نخلص إلى النتائج التالية:
اولا وحدة المسار الغربي الاحتلالي : الاحتلال لم يكن مجرد احتلال عسكري، بل كان مشروعاً شاملاً يبدأ بالخنق الاقتصادي (التنظيمات والديون)، يمر بالتفكيك السياسي (إسقاط الدولة وتقسيم المنطقة)، وينتهي بمحاولة المسخ الثقافي والهوياتي (الظهير البربري، فرنسة الجزائر).
ثانيا :
أثبتت التجارب أن محاولات فرض العلمانية أو التغريب من الأعلى (سواء بأيدي محتل أو حكام محليين) قد تنجح في تغيير شكل الدولة ومؤسساتها، لكنها تفشل في اختراق العمق الشعبي، بل غالباً ما تولد ردة فعل عكسية تعيد الاعتبار للهوية الدينية كحصن أخير (كما حدث في المغرب العربي).
ثالثا
لتحول الأهم إدراك الشعوب العربية والاسلامية أن المعركة ليست عسكرية فقط، بل معركة وجود. لذا، كان تأسيس الجمعيات الدينية، والمدارس، والنوادي الثقافية (جمعية العلماء، المدارس الأهلية) هو الرد الاستراتيجي الذي حفظ “الهوية ” العربية والإسلامية للمجتمعات، رغم كل محاولات الطمس.
الكاتب من اليمن