روح باندونغ الحيّة: إرادة الشعوب في مواجهة الهيمنة العالمية
بقلم: المحامي عمر زين …..
أمام الهجمة الصهيواميركية على الأمة العربية يطرح سؤال هل نحن بحاجة الى باندونغ جديدة؟ ونحن بحاجة لإجابة واضحة وشاملة كي تكون شعوب الأمة واعية لما يحصل، ولما يقتضي أن يكون.
حين اجتمعت دول آسيا وأفريقيا في باندونغ عام 1955، لم يكن مجرد اجتماع لدول خرجت حديثًا من الاستعمار، بل كان لحظة وعي جماعي وإعلان عالمي بأن إرادة الشعوب قادرة على كسر احتكار القرار الدولي، وأن الاستقلال الحقيقي لا يُمنح، بل يُنتزع.
لقد أعاد ذلك اللقاء تعريف الاستقلال بوصفه تحرّرًا فعليًا من التبعية السياسية والاقتصادية، ومن تلك الروح وُلدت لاحقًا حركة عدم الانحياز التي سعت إلى ترسيخ موقع مستقل لدول الجنوب في عالم منقسم بين معسكرين، مؤكدًا أن السيادة حقّ أصيل ينبع من الإرادة الجماعية.
غير أنّ أهمية تلك اللحظة التاريخية لا تكمن فقط في سياقها الزمني، بل في الدرس الذي قدّمته: أن التوازن الدولي لا يُمنح، بل يُنتزع عبر تنظيم الإرادة السياسية المشتركة. وهذا الدرس بالذات هو ما يجعل استحضار باندونغ اليوم مسألة راهنة لا نوستالجيا سياسية، لأن العالم وإن تغيّر شكله، لم تتغيّر بنيته العميقة القائمة على تفاوت القوة، ولا تزال أطر النفوذ تُحدد مواقع القرار الدولي بشكل حاد.
فالعالم المعاصر لم يعد منقسمًا رسميًا إلى قطبين كما في زمن الحرب الباردة، لكنه يعيش انقسامًا أكثر تعقيدًا بين منظومة هيمنة متشابكة اقتصاديًا وماليًا وإعلاميًا، وبين شعوب تبحث عن موقع عادل داخل نظام دولي تتآكل قواعده تدريجيًا. لقد تغيّرت أدوات السيطرة؛ فحلّت العقوبات محل الجيوش، والديون محل الاحتلال المباشر، والتحكم بالتكنولوجيا والتدفقات المالية محل الانتداب التقليدي. ومع هذا التحول، لم يعد الحياد الإيجابي الذي بشّرت به باندونغ كافيًا، لأن الحياد يفترض وجود توازن يمكن الوقوف على مسافة منه، بينما الواقع يكشف اختلالًا بنيويًا في قواعد اللعبة نفسها، ويستدعي ذلك التفكير في آليات جديدة للتمكين السياسي والاقتصادي لدول الجنوب.
ومن هنا تحديدًا تتبدّى الحاجة إلى مراجعة مفهوم الحياد ذاته. فإذا كان الحياد في خمسينيات القرن الماضي وسيلة لحماية الاستقلال الوليد، فإن المرحلة الراهنة تفرض الانتقال من حياد مراقِب إلى فعل تحرّري منظّم، يمتلك أدوات اقتصادية ومالية وقانونية تمكّنه من التأثير في موازين القرار الدولي بدل الاكتفاء بالتعليق عليها، ويتيح للدول فرصًا لمقاومة الهيمنة وتأسيس توازنات جديدة على المستويات الإقليمية والدولية.
وفي هذا السياق، يكثر الحديث عن مجالس سلام أو مبادرات دولية جديدة تُطرح باعتبارها مدخلًا لاستقرار عالمي منشود. غير أنّ أي حديث عن السلام يفقد مضمونه إذا لم يُقترن بإعادة الاعتبار لمبدأ المساواة بين الدول، وبضمان حق الشعوب في تقرير مصيرها بعيدًا عن الضغوط السياسية والاقتصادية. فسلامٌ لا يعالج جذور الظلم البنيوي، ولا يضع حدًا لازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي، يبقى هدنة مؤقتة قابلة للانهيار عند أول اختبار، ويجعل من الضروري البحث عن وسائل مبتكرة لضمان تنفيذ قرارات السلام بما يحفظ مصالح جميع الأطراف.
وهنا يبرز الترابط العضوي بين مسألة السلام ومسألة العدالة الدولية؛ إذ لا يمكن فصل وقف النزاعات عن إصلاح البنية التي تنتجها. فطالما بقي القرار الدولي رهينة توازنات ضيقة، ستظل النزاعات تتجدّد بأشكال مختلفة، وسيبقى الجنوب العالمي ساحة صراع لا شريكًا في صناعة القواعد، ما يؤكد الحاجة إلى استراتيجية شاملة تجمع بين القوة الاقتصادية والقدرة على التفاوض والتنسيق الدولي.
ضمن هذا المشهد، تبدو المنطقة العربية جزءًا لا يتجزأ من معادلة التوازن المنشود. فهي لم تكن هامشًا في التاريخ التحرري، بل كانت في قلبه، وتملك اليوم من الموارد والموقع الجغرافي والوزن الديمغرافي ما يؤهلها لاستعادة دور فاعل إذا توفرت الإرادة السياسية والرؤية التكاملية. إن تحويل الثروات الطبيعية إلى عناصر قوة تفاوضية، وتنسيق المواقف داخل المنظمات الدولية، وبناء شبكات تعاون جنوب–جنوب، ليست شعارات خطابية بل مقتضيات استراتيجية تفرضها طبيعة المرحلة، ويجب أن تترافق مع تطوير قدرات دبلوماسية وإعلامية قادرة على فرض السردية الوطنية والدفاع عن الحقوق المشتركة.
غير أن استعادة هذا الدور لا يمكن أن تتم بردود فعل متفرقة أو مواقف ظرفية، بل عبر بلورة مشروع جماعي واضح المعالم يعيد تعريف العلاقة بين السيادة والتنمية، وبين الأمن القومي والاستقلال الاقتصادي. فالقوة في عالم اليوم لا تُقاس فقط بالقدرة العسكرية، بل بالتحكم بالموارد، وبامتلاك أدوات التمويل والتكنولوجيا، وبالقدرة على صياغة السردية الدولية، ما يجعل من التعاون الاستراتيجي وتوحيد الرؤى شرطًا ضروريًا لتعزيز القدرة على التأثير العالمي.
وعليه، فإن استعادة روح باندونغ لا تعني استنساخ تجربة تاريخية بحرفيتها، بل استلهام منطقها التحرّري في سياق عالمي مختلف. فالعالم لا يحتاج إلى اصطفاف أيديولوجي جديد بقدر ما يحتاج إلى إعادة توازن أخلاقي وسياسي يعيد الاعتبار للقانون الدولي بوصفه مرجعية ملزمة للجميع لا أداة بيد الأقوياء. وبين خيار البقاء في موقع المتلقي لقرارات تُصاغ في مراكز النفوذ، وخيار المبادرة إلى بناء تكتل تحرّري منظم يملك أدوات التأثير، يتحدد مستقبل الجنوب العالمي كله. فإما أن تتحول قوى التحرر إلى قوة فاعلة تعيد صياغة شروط السلام على قاعدة العدالة والسيادة، وإما أن يبقى الحديث عن السلام عنوانًا بلاغيًا يخفي استمرار الاختلال ذاته بأشكال أكثر تعقيدًا، ويستمر الجنوب في مواجهة تحديات الهيمنة دون قدرة على حماية مصالحه الأساسية.
إن مستقبل جنوب العالم كله لا يُكتب إلا بإرادة جماعية منظمة، فإما أن تتحوّل قوى التحرر إلى قوة فاعلة تعيد صياغة شروط السلام على قاعدة العدالة والسيادة، وإما أن يبقى الحديث عن السلام مجرد شعار يخفي استمرار اختلال العالم بأشكال أكثر تعقيدًا.
الأمين العام الأسبق لاتحاد المحامين العرب