لكل المغرضين: أحقادكم، ونفوسكم وأفكاركم المريضة …لا تُعنينا
العميد المتقاعد باسم الحموري ….
بين الفينة والأخرى، ووسط هذا المزيج العجيب من ضغوطات الحياة على أرواحنا وعقولنا وأفكارنا وقدرتنا على التحمل، يظهر لنا أشخاصٌ غريبو الأطوار، يتركون هموم وأوجاع وأولويات حياتنا وحياتهم ليتناولوا موضوعات لا هدف خالص منها سوى الخراب والفتنة، وكأن الوضع يحتمل، أو كأننا نحن نحتمل أن نزداد هماً فوق ما نعانيه. والأكثر ألماً وقسوة هو حين يكون تناول ذلك الموضوع من قِبَل من يُفترض أنهم الأساس في إقرار استقرارنا وضمان سلامتنا وأمننا. وحتى لا أطيل أكثر، كل ما أشرت إليه في مقدمتي سببه حديثٌ لأحد النواب في كلمته تحت قبة البرلمان، وصف فيه “الشوام والشركس” بأنهم لاجئين!! هكذا، وببساطة. وسواءً قصد هذا النائب ما أشار إليه أم لم يقصد، إعتذر أو لم يعتذر، فهو إسفينٌ قوي ربما هدف من خلاله إلى خلخلة نسيج هذا المجتمع المتماسك، الأردني المتراحم، والذي يضم أفراداً وإخواناً من شتى الأصول والمنابت، جاءوا ضيوفاً مكرمين، ثم عاشوا وتعايشوا، وعملوا فاندمجوا، ثم صاروا مواطنين مخلصين للأردن وترابه وناسه، وأمسوا ركيزة من ركائز الدولة الأردنية.
ولأن التاريخ وصفحاته لا ينسيان حدثاً ولا أحداً، فسأحاول إنعاش ذاكرة هذا النائب، بسرد بعض المعلومات المتواضعة والموثقة حول “الشوام والشركس”: الشوام هم أول تجار الأردن، تواجدوا فيه قبل تأسيس إمارة شرق الأردن، وكانوا يتوافدون إلى المناطق الشمالية ومنها الى عمان، وتُعتبر هجرتهم إلى الدولة الأردنية هجرة داخلية حيث كانت بلاد الشام كلها آنذاك تتبع للولاية العثمانية، وليس خافياً على أحد أوضاع تجارتهم وتشغيل مصانعهم ومساهماتهم العديدة في بناء الأردن الحديث في شتى المجالات. أما الشركس، فهم يتواجدون على أرض هذا البلد منذ عام 1860 تقريباً، أي قبل تأسيس إمارة شرق الأردن أيضاً والتي نحتفل بمؤيتها هذا العام، ولا سرَّ يُذاع عند الحديث عن نضال الشركس العسكري المشرِف مع إخوانهم من الجيش العربي، أو الشهداء الذين سقطوا على تراب هذا الوطن دفاعاً عنه وعن حِمَاه.
فإن كنت يا سعادة النائب عن كل ذلك تدري فتلك مصيبةٌ، وإن كنت لا تدري فالمصيبةُ أعظمُ.
وللعبرة ليس إلاّ… الولايات الأمريكية عُرفت منذ وقت بعيد بالدولة العُظمى التي تحترم الإنسانية وترحِّب بالغرباء وتمنحهم الأمن والأمان، وقد ظلت هذه الصورة مرسومة في أذهان البشر حول العالم ومثيرة لغيرتهم من تلك الدولة الحاضنة الرائعة بإنسانيتها، حتى جاء يومٌ وحكمها ترامب، ذلك العنصري المتطرف، والذي ذكّر الناس بأصولهم ومنابتهم وعقائدهم منذ أول يوم استلم فيه منصبه، وأغلق أبواب دولته ورفع أسوارها في وجه الضيوف والمُحتمين بحصنها، واستمر في بث خطاب الكراهية بين أفراد شعبه طوال فترة حكمه، حتى أوصل هذا الشعب إلى حافة الهاوية، ورفع ستار الإنسانية عن سلوكياتهم وانفعالاتهم، وحولهم إلى أفراد منقسمين متعصبين وغوغائيين، لا انتماء لديهم إلا لعصبيتهم وكراهيتهم ضد الغير، والحقيقة هي أن تلك الدولة التي كانت عُظمى، أصبحت بسبب العنصرية وانهيار وحدتها الوطنية في نظر العالم من الصاغرين!!!
إن التذكير بالأصول والمنابت مهما كان سببه أو الهدف منه لم يكن في أي وقتٍ أو مكانٍ ما إلا أداةً للزعزعة وإثارة الفتن، وفي مجتمعاتنا العربية، لا ديننا يسمح، ولا عاداتنا أو قيمنا أو أخلاقنا تسمح، والتوجه العام في الأردن تحديداًّ أساسه الاحترام والتقبل للآخر، ويظهر ذلك جلياً في كلمة مليك البلاد عبدالله الثاني حفظه الله : ” الوحدة الوطنية أمانة ٌفي عنق كل واحد منا، فهي ركيزة استقرارنا وضمانة مستقبلنا، وهي خط أحمر، ولا يمكن أن نسمح لأي كان بتجاوز هذا الخط، ويجب أن نتصدى جميعاً لكل من يحاول العبث بهذه الوحدة التي نعتز ونفاخر بها، والتي يجب أن نحميها بكل الوسائل والطرق، وأقول للجميع وبلا استثناء ما قاله الحسين رحمة الله عليه، أن كل من يحاول العبث بالوحدة الوطنية والإساءة إليها هو عدوي إلى يوم القيامة، وهو أيضا عدو عبدالله بن الحسين وعدو كل الأردنيين، وأنا قلت من قبل وأؤكد اليوم، أن المعيار الحقيقي للمواطنة والانتماء هو بمقدار ما يُعطي الإنسان لهذا الوطن وليس بمقدار ما يأخذ أو أية اعتبارات أخرى”.
في النهاية، وحدتنا الوطنية النقية هي ما ميّزنا ويميزنا قيادةً وشعباً عن غيرنا، وهي السر الذي حمى بلدنا من الوقوع في براثن الحروب والنزاعات، وهي الحقيقة التي لا يُسمح لأحدٍ مهما كان هدفه أو منصبه أو قيمته الاجتهاد أو العبث فيها، وعدا ذلك.. فينطبق عليه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: “إنك إمرؤٌ فيك جاهلية”.