القدوة عندما تكون سيئة!

بالأمس، غادرتنا المعمارية العراقية الأصل زها حديد، التي تمتد إبداعاتها عبر العالم.. من روما إلى النمسا.. وألمانيا.. ولندن، ودبي، واليابان، والرباط، والأردن.. وغيرها! كان لها أسلوبها المعماري المتميز، وتشكيلاتها الحرة والجريئة! حصدت زها حديد العديد من الجوائز والشهادات التقديرية من أكبر المعماريين في العالم، وفازت بأرفع جائزة نمسوية في عام 2002، وأيضاً جائزة توماس جيفرسون المعمارية عام 2007، وكانت أول امرأة تحصد جائزة «الميدالية الذهبية الملكية للعمارة»!
كثيرة هي إنجازات زها حديد، ولكن ما يصدم الفرد منا أنها بقيت غائبة عن وعي أغلبية الشباب العربي.. ولا أقول كلهم، فهي رغم إبداعاتها، فإنها من الواضح لم تكن «القدوة» التي ينشدها ويتابعها شبابنا اليوم.
أخيراً، تابعت على إحدى الفضائيات لقاء مشوقاً لأول سيدة سعودية تحصل على وسام الملك عبدالعزيز من الدرجة الاولى! د. خولة الكريع، حاملة دكتوراه في سرطانات الجينات من المركز القومي الأميركي، وكبير علماء أبحاث السرطان في مستشفى الملك فيصل التخصصي، وهي بروفيسورة في كلية الطب بجامعة فيصل. أما سبب شهرتها، فيكمن في أبحاثها التي أجرتها على الصفات الوراثية للخلايا السرطانية!
د. خولة الكريع هي الأخرى تغيب عن التقييم الشبابي اليوم للمبدعين حقاً، وليس لمن يحمل قشور الإبداع!
والسؤال الذي يتبادر إلى أذهاننا جميعاً هنا: لماذا تغيب عن التصنيف الشبابي للقدوة شخصيات مثل زها حديد وخولة الكريع؟ ومن المسؤول عن مثل هذا الغياب والتشويه للوعي الشبابي للقدوة التي تستحق المتابعة والتأمل والإعجاب؟!
لماذا يجهل شبابنا اليوم مثل هذه العلامات المشرقة في الإبداع والعلم والتفوق، في الوقت الذي يتابعون فيه وبشغف غريب أخبار «الفاشينيستات» ومواقعهم، متواصلين معهم على مدار الساعة؟!
جميعنا مرت بنا سنوات مراهقة، كان فيها التقليد والمحاكاة بهدف البحث عن الذات هو ما يشغلنا، كان لكل منا تصوره لقدراته ولمثله الأعلى.. وهو بالتأكيد أمر أثّر في تكوين فكرنا وشخصياتنا في ما بعد!
كنا نرى القدوة في المعلم والطبيب والعالم ولاعب الكرة المبدع.. والممثل الجيد والمطرب المؤدي باحترافية وفن!
نعم، كانت هناك حالات شاذة.. ولكن الأغلبية كانت تتقن التمييز بين الإبداع وقشوره! اليوم اختفى مثل هذا التمييز لأسباب يتحمّل الإعلام فيها الوزر الأكبر! علماء النفس يؤكدون أن للقدوة تأثيراً مباشراً على سلوك الفرد ونفسيته، وأن الإنسان إذا لم يجد القدوة الحسنة في حياته، فإنه سيتخذ قدوة سيئة كنتيجة طبيعية!
ونحن اليوم، ولا شك، في زمن القدوة السيئة التي جعلت ملايين الشباب يلهثون في متابعة «فاشينيستا» ويجهلون أعلاماً مثل زها حديد وخولة الكريع!
• تنويه: في مقالي السابق «حكايتي مع الطليعة» ورد خطأ في اسم السيد البعيجاني كأحد صناع الطليعة.. وسقط سهواً ذكر أحد أعمدتها المرحوم عبدالله السبيعي، فعذراً للاثنين.

سعاد فهد المعجل
[email protected]
suadalmojel@

قد يعجبك ايضا