«البدر المنير».. سيرة تقليديّة عن الرسول الحكيم المعصوم

د. عودة الله منيع القيسيُ تراثنا.. فيه دُرَرٌ كثيرة من الأقوال والأفكار والفتاوى. ولكن.. فيه خللان كبيران: الأول – أن الذين صنّفوا في الحديث النبويّ الشريف، والذين أدخلوه في دراساتهم.. لم يلتزموا بمنهج التصحيح الذي قرره المصنفون فيه – تقريراًنظريّاً -، بل تخلوا عنه كثيراً، على تفاوت واسع بينهم. هذا الإمام محمد بن إسماعيل البخاري – رضي الله عنه – المخلص الجادّ الصدوق التقي الورع – لم يلتزم بما قرره لنفسه: فقد اشترط ألاّ يأخذ الحديث إلا بشرطين: المعاصرة واللقاء. ولكنه، عند التطبيق قـَبـِل َأحاديث مُرسلة، وأحاديث موقوفة، وأحاديث معضلة، وأحاديث معلقة. وكل هذه تختلف مع شرطيْه السابقين. بل كُلُّ منها وراءه أحاديث غير صحيحة. ذلك.. لأن طلب الحقيقة أولى من تنزيه الرجال، حتّى وإن جلّ مقامهم. فهذا الإمام البخاري (ومثلهُ الإمام مسلم).. فكيف بمن دونهما من أصحاب كـُتاب السنن السّتّة التي وَجَدَ فيها الشيخ الألباني – وحدَهُ – خمسة آلاف حديث ضعيف. فكيف من دونهم؟ ثمّ إن المعتمد عند المصنفين في الحديث (المعتمد الذي قد تجاوزوه) أنه لا يصحّ حديث إلا – تامَّ الرواة، أي: متصل السلسلة. وأن الرواة كلهم مُعدّلون.ولكنهم تجاوزوا ذلك كثيراً في التطبيق. ولذلك.. نشأ مع الزمن – علم – اسمه – علم الضعفاء من رجال الحديث – ألّف فيه حوالي خمسةَ عَشَرَ عالماً، وكان عدد الضعفاء، عندهم، يبلغ حواليَ خمسةَ عَشَرَ ألفَ راوٍ -! والخلل الثاني الكبير: أنهم إلى جانب النقل العشوائي، من دون تحقيق الأسانيد والمتون، كثيراً – أن كتبهم هي مجّردُ نَقْلِ خالف عن سالف، من دون تغيير يذكر أو تجديد –فكتب الحديث مثلاً ينقل،بعضها عن بعض، مع فروق طفيفة، بحيثُ يمكن أن تجمع الحديث الصحيح كلّه في عشَرَة مجلّدات. وأن تعلم أن الموطأ – للإمام مالك – له.. سبعُ وأربعون شرحاً. ومثله كثير من كتب الحديث. فيا عباد الله- لماذا كلُّ هذا الركام، والحديث الشريف، في الموطأ وفي غبره،الذي يحتاج منه إلى شرح لا يزيد على عشَرَة بالمئة! أمّا السيرة النبوية الشريفة التي هي موضوع حديثنا،هنا.. فقد كتبها-أوّل مرة – محمد ابن إسحاق ( ت – 151) –كتبها من دون توثيق كامل، حَسَبَ شَرطَيْ التوثيق الكامل السالفين،وهما: المعاصرة واللقاء. ابن إسحاق هذا.. كان في عمله كثير مما لا يقبله الحقّ ( والحق هو القرآن ) ولا تقبله طبائع الأشياء. ثم تلاه عبدالملك ابن هشام ( ت- 218) – فلم يكن خيراً منه، وإنما حذَفَ أشياءَ أنكرها العلماء، وأشياء يشْنُعُ ذكرها، كما قال. ثم تلاهما حوالي عشرين من القدامى، من غير زيادة تحقيق أو زيادة أخبار صحيحة.( إن لي كتاباً غير مطبوع مكوّن من اثني عشر جزءاًعنوانه: -العصمتان- فنّدتُ فيه كل الأخبار المكذوبة. هذا في القديم.. أما، في العصر الحاضر.. فقد كتب السيرة العطرة حوالي مئتيْ مؤلف، أي فصار للسيرة حوالي مئتي كتاب مُؤلَّف. ولكن المؤسف والمؤسي والمذهل والمخيب للأمل أن هؤلاء المئتين من المؤلفين كانوا ينقلون كلهم عن ابن هشام! – والذين أتوْا ببعض الجديد القليل – هم قلّة أيضاً، ومع قلتهم.. تفرنجوا في تدقيقهم وجارَوْا المستشرقين، فالدكتور محمد حسين هيكل يكتب سيرة،عنوانها «محمد»، من دون أن يقول: صلى الله عليه وسلم. وكأنه زميله في الدراسة أو العمل! كتاب السيرة للدكتور محمد رامز العزيزي – وزملائه: وعنوانه: ( البدر المنير/ في سيرة سيّد المرسلين/ محمد صلى الله عليه وسلم ). وهو موضوع ملاحظاتنا.. لقد قدمت بهذا التمهيد الطويل، بالنسبة لحجم المقالة – القصير جدّاً، (ولكن هذا التمهيد نقطة في بحر بالنسبة لما كتبته عنه في كتابيَ المخطوط -العصمتان)- أجلْ.. قدمتُ هذا التمهيد الطويل، نسبةً لقصر المقالة، بعد أن قرأت كتاب السيرة النبوية السابق (البدر المنير)- لا لأنّ هذه السيرة القصيرة،بالنسبة لغيرها تستدعي كلّ هذا الكلام،بل لأن هذا الركام الذي حُشِيَتْ به هذه السير المئتان التقليديّة– وقد أسلفتُ ذكرها-، من دون تدقيق وتحقيق.. يستحقّ أن نُنبّهَ له، وأن نلفت له الأذهان والعقول والقلوب، بمناسبة حديثنا القصير عن هذا الكتاب، لأن هذا التنبيه للأذهان والعقول والقتوب.. لا يقلّ أهمّيّة عن الملاحظات التي نقدمها على هذا الكتاب. فما ينبغي لسيرة الرسول المصطفى أن تظلّ محشوّةً بالأكاذيب التي تقود المؤمن إلى منهج خاطئ في القول والعمل. والله المستعان). ولقد ساءلت نفسي، مراراً، ما الذي دفع هذا الجمّ الغفيرإلى – كتابة السيرة العطرة، بل نسخها عن سيرة ابن هشام – إلا تصرفاً في الطريقة والأسلوب – غالباً؟ فتبينّ لي أن الدافع إلى ذلك – أمران: الأول: أن كثيرين يريدون أن يتعّبدوا، ويتبّركوا – بكتابة سيرة المصطفى – صلى الله عليه وسلم – (وكلُّهمْ من رسول الله مُلْتمس ٌ/غرفاً من البحرِ أو رشفاً من –الديِم ِ). الثاني: أن العقول عَقـُمتْ، بعد القرن الهجري الرابع، فكلّ ُمن قرأ كتباً وتثقف أراد أن يكون مُؤلّفاً، فيذكر بين المؤلفين، مع أن كُلاًّ منهم قلّد سابقيه – إلا نادراً، وما خالفهم به الذي جاء بجديد، جاء بنادر. ولعلّ كُلاً منهم يظنّ أنه فتح فتحاً في السيرة النبوية! وليس هذا العقم والتكرار والاجترار، في السيرة النبوية – وحْدَها – بل هوفي كل ميدان كتبوا فيه، (قدامى ومحدثين)في مجال العلوم الإنسانية جميعها،رُكام ثم ركام ثم ركام- إلاّ من رحم ربُّك! أما في هذه – السيرة – موضوع النظر.. فلم أجد للدكتور الصديق- الجادّ المخلص الصادق النيّة، ومثله زملاؤه الثلاثة، ولا رأياً واحداً جديداُ! وإنما كان لهم آراءٌ ترجيحية ثلاثة: تُرجحّ بعض آراء السابقين على بعض. وهذا.. فضل للمؤلفين الأربعة. ولكنه ليس تجديداً. ونمثل بالمواطن الثلاثة –أولا -زمن توقيت الصلاة: إذْ يذكر المؤلفون قولين للسابقين: الأول – أنها نزلت في السنة الأولى، من البعثة، أو حولها. والثانية – أنها نزلت (أو فُرضت) في السنة العاشرة. ثم يذكرون أدلة الفريق الأول (ثم الثاني). وأدلة الفريق الأول هي سبعة – كما يلي: (1) – ما رواه ابن هشام عن ابن إسحاق، قال ابن إسحاق: حدثني بعض أهل العلم… (2) – ما ورد في حديث عفيف الكندي الذي أخرجه صاحب ( شَرْح العيون ) من طريق ابن إسحاق، وهو مخرّج في سيرته… (3)- وأخرج ابن إسحاق في سيرته بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم – كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة ، وخرج معه عليّ ابن ابي طالب (4) – ما رواه محمد ابن إسحاق قال: وكان فيما بلغني عن أم هاني… (5)- وهو موافق ومؤيد لما ورد في الدليل الرابع. وهو ما أخرجه البزاز والطبرالي، وهو ما صححه البيهقي في الدلائل، من حديث شدّاد ابن أوس (6) – ذكر الأستاذ محمد الصادق عرجون، عن ابن إسحاق أن أبا طالب قال لِعَليّ – إذ ْرآه يصلي… (7) – ورد الأمر بالصلاة في سورة( المزمل-20 )- بقوله تعالى:» وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة ) – وهذه السورة نزلت، بإجماع الصحابة في السنةالأولى… ( ص-88-92 ) تعليق: – لاحظ أن هذه الأدلة السبعة – منها خمسة عن ابن إسحاق، وهي: اقول ( 6،4،3،2،1)- وابن إسحاق لا يُوثّقُ، أي: لا يأتي بأسانيد تامّة، ومُعدَّلة –إلا نادراً، فلاقيمة لمثل هذا التوثيق الناقص. الدليل الوحيد الذيُ يطمئنّ له هو الدليل السابع الذي جاء من القرآن –كما سبق. وأدلة الفريق الثاني في الرواية الثانية: أوردها الإمام البخاري في صحيحه عن الصلاة في ثلاث طرق. أقول: هنا.. نكتفي بالأولى منها، للاختصار: في هذه الرواية..ورد حديث طويل، منه ( حدثنا يحي ابن بكير، قال: حدثنا الليث عن يونس عن ابن شهاب الزهري، عن أنس ابن مالك…) ثم علقّ المؤلفون الأربعة، بقولهم:.. وقد قال ابن حَجَرٍ، معلّقاً على نصّ الحديث: وقد روى هذا الحديث عن النبي – صلى الله عليه وسلم – جماعة . وكل طرقه في الصحيحين تدور على – أنس – مع اختلاف أصحابه عنه، فرواه الزهري عن أبي ذرّ، كما في هذا الباب. ورواهُ قتادة عنه عن مالك ابن صعصعة. ورواه شريك ابن أبي نمر، وثابت البناني عنه، عن النبي – صلى الله عليه وسلم – بلا واسطة « (ص-94). تعليق: أقول:في الحق: أنّ كل الدارسين للحديث – كابن حجر، أو الذين كانوا يستشهدون في الحديث في كتبهم – كُلّهم.. إلا النادر لم يسلكوا – المنهج – السليم للأسف. (ويكفي أن نعلم أن الإمام أبا حامد الغزالي قد أورد في كتابه –إحياء علوم الدين- أربعة آلاف وخمسمئة حديث- تعقّبها أصحاب كتب الرواة الضعفاء..فلم يجدوا صحيحاً منها إلا ألفاً وخمسمئة حديث!)، والمنهج السليمُ يقتضي دراسة السند – أولاً- من حيث أن عدد الرجال فيه غيُر ناقص، وأنهم كلهم مُعدّلون. وبعد ذلك يصار إلى دراسة المتن – فإذا كان موافقاً القرآن، وطبائع الأشياء والعقل الراجح البارئ من الهوى- كعقول الفقهاء الأربعة الكبار المشهورين..فهو صحيح، وإلا.. فهو موضوع، لا يحتجّ به، وإن كان سنده غير تام = أي: منقطعاً أو فيه راوٍ مجرّح.. فلا يُلْتفتُ إلى الكلام على أنه حديث، وإن صحّ عقلاً، لأن الحديث- كطائر ذي جناحين لا يطير بأحدهما – . وإن استواءالمنهج على هذه الصورة.. لم يلتزم به لا هؤلاء ولا هؤلاء –(عدا المصنفين في الحديث الذين اهتموا بالسند على علل كثيرة في عملهم ). أقول: إن المؤلفين، هنا، اعتمدوا على قول ابن حجر، فلم يحققوا ولم يدققوا، وإن ابن حجر، على شهرته.. اعتمد على ما قاله السابقون، فقد اكتفى بأن قال: وكل طرقه في الصحيحين.. كأن ورود الحديث في الصحيحين من دون الأخذ بالمنهج السابق – يمنحه الصحة المطلقة؟ وفي الرواية الثانية: فمالك ابن صعصعة الذي روى عنه قتادة ابن دعامة السدوسي – وعُبادة ابن الصامت.. يروي مراسيل، والإرسال انقطاع، والانقطاع.. ضعفٌ. وقال أبو داوود: حديث الزهري ألفان ومئتا حديث – النصفُ منها مسند.(النصف الآخر غير مسند)، وغير المسند.. باطل. والزهري كان ملازماً لعبد الملك ابن مروان، وصحبة السلاطين مَغمز في المحدث– .( نظ = العلاّني – جامع التحصيل -108/1) وذكره بالتدليس آخرون. وفي الرواية الثالثة: – شُريك ابن أبي نمر. قال عنه – ابن معين: مدلّس لا يُحَدَّث عنه. ( ميزان الاعتدال– 3/372- ) أما ثابت..فقد اختلط في الكبر،قال أبو زُرعة: ثابت عن أبي هريرة – يرسل. ( سير أعلام النبلاء – ) والإرسال انقطاع، والانقطاع ضعف. ثم.. هما رويا عن – أنس – دون واسطة. فكان انقطاع بينهم وبين أنس. إذن.. هذا قول، بكل طرقه، راوٍ أو أكثر ضعيفٌ. فلا يلتفت إليه،على أنه حديث، ولا معنى لمناقشة متنه، خاصةً أن متنه ليس مما يتقوم بالعقل – دون النقل. وهذا.. يعني أن إسناد الرواية إلى الصحابي – أنس – إسناد غير صحيح، لأن الصحابة لا يكذبون.– ومثل هذا – التدقيق – في السند لم يَقُمْ به – للأسف – لا القدامى، ولا المعاصرون. وهكذا.. في الروايتين الأخريين عن الإمام البخاري.. فالرواةُ – فيهما ضعفاء. ثانياً: وترجيح آخرقام به المؤلـفون الأربعة في هذه السيرة:ترجيح الروايات التي وردت حول عـُمر السيدة عائشة – رضي الله عنها.ولكن لا متّسع لذكْر ترجيحهما. ثالثاً: -وآخر ترجيح قام به الدكتور محمد رامز وزملاؤه: قصة الغرانيق. وقد وردت فيها روايات كثيرة كلُّها.. باطلة، سندا ومتناً. فقد اعتبروها باطلة. وهي كذالك. وأخيراً: جزى الله المؤلفين الأربعة خيراً على ما بذلوا من جهد صادق. ونيّة المرء عَدْلُ عمله. ثُمّ..إني ما قلتُ شيئاًعن التقليد في كتابة السيرة العطرة،بشكل عامّ،أو ما قدمه هؤلاء الزملاء الفضلاء-إلا رغبة ً في أن يُفيد منه جيل الشباب،إن كان فيه فائدة. لأننا لن نتقدم إذا لم نعُدْ إلى التراث بمنهج- التبيُّن- (وكل علم له منهجه). ولم نتناول الحاضر بهذا المنهج.فالدروشة والتقليد-دون تدبُّر وتبصُّر وتفكُّر-لا يصنعان منهجاً ينير العقول ويحيي الأفئدة،ويجعلنا نساهم في صنع الحضارة،ويكون لنا مكان محترم تحت الشمس. والله هو المستعان. * باحث وأكاديمي من الأردن.

قد يعجبك ايضا