كيف سيكون مصير فصائل منظمة التحرير الفلسطينية بعد إقرار الدستور المؤقت لدولة فلسطين
بقلم د. تيسير فتوح حجة …..
الأمين العام لحركة عدالة.
يشكل الحديث عن إقرار دستور مؤقت لدولة فلسطين تحولاً سياسياً وقانونياً بالغ الأهمية، ليس فقط على مستوى شكل النظام السياسي، بل على مستوى مستقبل القوى والفصائل الفلسطينية التي تشكلت تاريخياً ضمن إطار منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها حركة تحرر وطني قبل أن تكون إطاراً لدولة ومؤسساتها.
فمع الانتقال التدريجي من مرحلة الثورة إلى مرحلة الدولة، تبرز أسئلة جوهرية حول طبيعة الدور القادم لفصائل المنظمة، وهل ستبقى على صورتها التقليدية كفصائل كفاحية، أم ستتحول إلى أحزاب سياسية مدنية تخضع لقواعد الدستور والقانون والتداول الديمقراطي للسلطة.
إن أي دستور مؤقت لدولة فلسطين سيضع الجميع أمام استحقاقات جديدة، تبدأ من تعريف شكل النظام السياسي، مروراً بالعلاقة بين السلطات، وصولاً إلى مفهوم الشرعية السياسية ومصدرها. وهنا تصبح الشرعية مستمدة من الدستور وصندوق الاقتراع، لا من التاريخ النضالي وحده، مهما كان عظيماً ومحترماً.
لقد نشأت معظم فصائل المنظمة في ظروف الثورة والمخيمات والعمل الفدائي، وكان السلاح والعمل المقاوم جزءاً من هويتها السياسية والتنظيمية. لكن منطق الدولة يختلف عن منطق الثورة؛ فالدولة تقوم على المؤسسات والقانون والمواطنة المتساوية، بينما تقوم حركات التحرر على التعبئة الثورية والاستثناءات السياسية والتنظيمية.
من هنا، فإن إقرار دستور مؤقت قد يدفع باتجاه إعادة تشكيل الحياة السياسية الفلسطينية بالكامل، بحيث تتحول الفصائل إلى أحزاب سياسية ذات برامج اقتصادية واجتماعية واضحة، بدلاً من الاكتفاء بالشعارات الوطنية العامة التي فقد كثير منها تأثيره أمام الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المواطن الفلسطيني.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في التحول نحو الدولة، بل في محاولة بعض القوى الاحتفاظ بعقلية الثورة وأدواتها داخل مؤسسات الدولة، بما يؤدي إلى ازدواجية في الشرعية والصلاحيات، ويخلق حالة من الصراع بين مفهوم الدولة ومفهوم التنظيم المتنفذ.
وفي هذا السياق، ترى حركة عدالة الاجتماعية العمالية المدنية الفلسطينية أن المرحلة القادمة تتطلب إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني على أسس ديمقراطية واجتماعية حديثة، تضمن العدالة الاجتماعية، وحقوق العمال، والفصل بين السلطات، واحترام التعددية السياسية، بعيداً عن الاحتكار والتفرد والإقصاء.
كما أن مستقبل فصائل منظمة التحرير سيكون مرتبطاً بقدرتها على التجدد الداخلي، وإجراء انتخابات حقيقية داخل أطرها، وإفساح المجال أمام جيل جديد قادر على مخاطبة الواقع الفلسطيني بلغة السياسة والاقتصاد والتنمية، لا بلغة الشعارات التقليدية فقط.
إن الشعب الفلسطيني اليوم يريد مؤسسات قوية، وقضاءً مستقلاً، واقتصاداً قادراً على الصمود، وقيادة تمتلك رؤية وطنية جامعة، لا مجرد إعادة إنتاج للأزمات والانقسامات القديمة.
وعليه، فإن الدستور المؤقت قد يكون فرصة تاريخية لإنقاذ النظام السياسي الفلسطيني وإعادة تعريف دور الفصائل ضمن إطار الدولة الحديثة، أو قد يتحول إلى بداية صراع جديد إذا جرى التعامل معه بعقلية الهيمنة والمحاصصة.
ويبقى السؤال الأهم:
هل تمتلك فصائل منظمة التحرير الشجاعة الكافية للانتقال من مرحلة الثورة إلى مرحلة الدولة، أم أن الخوف من فقدان النفوذ سيبقي النظام السياسي الفلسطيني أسيراً للماضي؟
الكاتب من الأردن