فادي السمردلي يكتب: كانت النصيحة بجمل واليوم يُغلق العناد أبواب الإصلاح

بقلم فادي زواد السمردلي  ……

 

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*

*#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال*

 

في العصور الماضية، كانت النصيحة سلعةً نادرة تُقدَّر بثمنٍ عالٍ إذ ارتبطت بالحكمة والخبرة، ولم يكن يُعطى هذا الكنز إلا لمن يستحقه ويُدرك قيمته وكانت بمثابة ضوء يُرشد السائرين في ظلام الخيارات الخاطئة، ومفتاحٍ لحل الأزمات قبل وقوعها. لم يكن غريبًا أن يُقال عنها “النصيحة بجمل”، لأنها كانت تُمنح في أوقاتٍ حرجة، وتُغيّر مسار حياة الفرد أو الجماعة أما اليوم، فقد تغيّرت الأحوال، وأصبحت النصيحة متوفرة ومجانية، تُمنَح من دون مقابل إلا رغبة المانح في الخير، ولكن المؤسف أنها كثيرًا ما تُقابَل باللامبالاة والتجاهل، أو حتى بالرفض المطلق فهذا السلوك ليس جديدًا في المجتمعات، لكنه يظهر بشكل أكبر وأخطر في الساحة السياسية، حيث ترفض بعض القوى والأحزاب أن تستمع إلى أي نصيحة، رغم أن مسارها وأدائها أثبتا مرارًا وتكرارًا أنها بحاجة ماسة إلى التصحيح.

في الساحة السياسية، يظهر هذا الإشكال بوضوح بين الأحزاب والقوى التي كان يُؤمَل منها قيادة التغيير وصناعة مستقبل أفضل فهذه القوى نُصحت منذ البداية بأن أداءها لا يرقى إلى مستوى العمل السياسي الحقيقي وتم لفت نظرها إلى أنها تتعامل مع السياسة وكأنها “جمعيات صغيرة”، تتحرك بدون رؤية شاملة، وتفتقر إلى الاستراتيجيات الطويلة المدى وقيل لها مرارًا إن السياسة ليست مجرد شعارات أو حشد جماهيري مؤقت، بل هي عمل مؤسسي يتطلب خططًا مدروسة وإدارة محكمة قادرة على تحقيق نتائج ملموسة ومع ذلك، قوبلت هذه النصائح إما بالصمت المطبق، أو بالسخرية من الناصحين، وكأن النصيحة تمثل تهديدًا لهم بدلاً من أن تكون دعوة للتطوير والتغيير.

ومع مرور الوقت، بدأت النتائج السلبية لهذه السياسات تتراكم بشكل واضح فتعثّرت تلك القوى في أداء دورها، وفشلت في تحقيق ما وعدت به، لكنها لم تُقدِم على أي خطوة لتصحيح مسارها واستمرت في ذات النهج القديم، مُصرة على المضي في طريق أثبت مرارًا أنه يؤدي إلى الفشل فهذا الجمود لم يكن فقط رفضًا للنصيحة، بل كان أيضًا رفضًا للاعتراف بالخطأ، وكأن التغيير أو المراجعة الذاتية يُعتبران ضعفًا أو تنازلًا وحتى عندما وصلت إلى مراحل حرجة، لم تُظهر هذه القوى أي استعداد للاستفادة من دروس الماضي أو التعلم من تجاربها الفاشلة.

هذا الإصرار على السير في الطريق الخاطئ يعكس أزمة عميقة في الثقافة السياسية لبعض الأحزاب والقوى فالسياسة، كفنٍّ لإدارة المجتمعات، تتطلب مرونة واستجابة دائمة للواقع، وقدرة على التكيف مع المتغيرات ولكنها أيضًا تتطلب شجاعة الاعتراف بالخطأ، وهذا ما تفتقر إليه الكثير من هذه القوى فالنصيحة التي كانت تُمنح لها بالمجان، كانت فرصة ثمينة لتصحيح المسار وتجنب المزيد من الانحدار، لكنها تعاملت معها بازدراء، وكأن قبول النصيحة يُنقص من مكانتها أو يُشكك في قدرتها.

والأسوأ من ذلك أن هذه القوى لا تكتفي برفض النصيحة، بل تُصر على تكرار أخطائها، مما يؤدي إلى تراكم الأزمات وفقدانها ثقة الجمهور فالجماهير التي راهنت عليها في البداية بدأت تدرك أن هذه القوى ليست سوى انعكاس لجمعيات صغيرة تفتقر إلى الاحترافية والجدية ومما يُثير الدهشة هو أن هذا الانحدار لم يُحفّز أي مراجعة داخلية أو إصلاح، بل استمرت تلك القوى على نفس النهج، وكأن الفشل المتكرر ليس كافيًا لإيقاظها من غفلتها.

إن المعضلة الحقيقية ليست في النصيحة ذاتها، بل في العناد الذي يمنع البعض من قبولها فالنصيحة، مهما كانت صادقة وعميقة، لا تُجدي نفعًا إذا قوبلت بالرفض أو التجاهل فالسياسة ليست مجرد لعبة تكتيكية، بل مسؤولية ضخمة تتطلب من القائمين عليها أن يُقدّروا النصائح، ويستفيدوا من النقد، ويتعلموا من الأخطاء وفي غياب هذه الصفات، تتحول السياسة إلى دائرة مفرغة من الفشل والتكرار، دون أفق للتغيير أو التطوير.

اليوم، ونحن نراقب استمرار هذه القوى في تكرار ذات الأخطاء، نجد أنفسنا أمام تساؤلات حاسمة هل ستدرك هذه القوى أخيرًا أهمية النصيحة وقيمة التعلم من التجربة؟ هل ستتمكن من تجاوز عنادها، وتصحيح مسارها قبل فوات الأوان؟ أم أن مستقبلها سيبقى مرهونًا بعجزها عن الاتعاظ من دروس الماضي؟ النصيحة تُمنَح بالمجان، لكنها لا تساوي شيئًا إن لم تجد آذانًا صاغية وقلوبًا مستعدة للتغيير. فمن يرفض النصيحة اليوم، سيدفع ثمنًا باهظًا غدًا، وربما يجد نفسه خارج دائرة التأثير، منبوذًا من جمهوره، غارقًا في فشله.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا