الصحف الإسرائيلية 22-7-2016
تركيا.. والظلام الكبير
بقلم: الون بن دافيد
في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي قرر رائد في جيش بنما، موزيس جيرولدي بانه حان وقته ليحل محل الحاكم مناويل نورييجه. فنظم بضع سرايا من الجيش، اتصل بالامريكيين وطلب مساعدتهم للقيام بانقلاب (ولكنه نسي ان يترك لهم رقم هاتف يمكنهم ان يتصلوا به من خلاله).
في صباح الانقلاب سيطر جيرولدي على النطاق الرئاسي وتوجه باحترام شديد الى الرئيس نورييجه: “سيدي الجنرال، انت مطالب بان ترافقني الى الاعتقال”، قال له بأدب. وبالتوازي اطلق بيانا في الاذاعة عن مجلس الثورة. ولكن الامريكيين نسوا أن يسدوا احد الطرق المؤدية الى القصر، وفي غضون ساعات اقتحمت الى هناك القوات الموالية للرئيس. سحب نورييجه الغاضب مسدس جيرولدي واطلق عليه ثلاث رصاصات وهو يصرخ: “ليس هكذا تقام الثورة!”.
مع ان المحاولة التركية في نهاية الاسبوع كانت على نطاق أوسع بكثير، لكنها خرقاء بقدر لا يقل. فهي تستند الى كتب الارشاد للثوريين في القرن الماضي، ولكن الازمنة تغيرت. فمن أجل احداث ما كان يمكن للجيش التركي أن يفعله بنجاعة في 1980، يحتاج اليوم الى السيطرة على كل وسائل الاتصالات في الدولة، بما في ذلك الخلوي والانترنت. ويجب ايضا السيطرة على كل المطارات وليس على واحد منها فقط، واذا كان يراد ضمان النجاح فمرغوب فيه أن يبدأ الانقلاب بقطع رؤوس القيادة ، أو على الاقل بتحييدهم.
في اليوم التالي للانقلاب ادعت وسائل الاعلام التركية بان طائرة اردوغان كانت ضمن نطاق استهداف طائرات اف 16 للمتمردين وانهم قرروا الا يسقطوها. من الصعب أن نعرف اذا كانت هذه القصة مصداقة، وذلك لانه ما أن انتهت الانقلاب، فان كل ما ينشر في وسائل الاعلام هو رواية المنتصرين.
ان المكالمة الهاتفية السريعة لرئيس الوزراء بن علي يلدرين الى التلفزيون، بعد نحو ساعة من بدء الانقلاب، أكدت أن المتآمرين لم يستولوا حقا على الحكم. وعندما صعد اردوغان ايضا الى البث بالفيس تايم الشهير، كان واضحا بان الانقلاب مآله الفشل. ونوصي بالمناسبة كل مؤيدي نظريات المؤامرة أن يشاهدوا مرة اخرى الوجه المفزوع لاردوغان في هذا البث. فهذا ليس وجه من خطط وأخرج مسرحية هذا الانقلاب.
واذا كان لا بد من نظريات المؤامرة – فكنت سأبحث عنها في المسار الذي بين موسكو وأنقرة. ولكن لم يكن للمتآمرين اي قوة عظمى تعطيهم التأييد العلني. الولايات المتحدة مثلما فعلت في مصر أيضا وفي الثورة الخضراء في 2009 في ايران، سارعت الى ادارة الظهر لهم. فبراك اوباما وجون كيري ما كان بوسعهما أن يشخصا صديقا او فرصة حتى من مسافة متر.
ولكن ما نجح فيه عبدالفتاح السيسي في 2013، حتى بدون تأييد امريكي، ما كان له ان ينجح في تركيا. فقد قاد السيسي انقلابا ناجعا بصفته وزير الدفاع المصري بينم كان الجمهور المصري معه. فبعد تذوق الحكم بقيادة الاخوان المسلمين فهم شباب ميدان التتحرير بان الحكم العسكري أقل ايلاما من “الديمقراطية” الاسلامية. اما الاتراك فليسوا هناك.
كان من الصعب أن نجد في تركيا هذا الاسبوع احدا أحب فكرة الانقلاب العسكري. فحتى معارضي اردوغان الشديدين، العلمانيين والليبراليين تماما، ما كان يمكنهم ان يحتملوا فكرة أن يأخذ الجيش بالقوة خيوط الحكم. يحتمل أن تكون طرأت على بالهم في الايام التي مرت منذئذ افكار اخرى، ولكن في ليل الانقلاب – كان الجمهور التركي كله يقف ضد المتآمرين.
الثورة المضادة
رغم الفشل، ينبغي الاعتراف بان المتآمرين نجحوا اكثر مما كان يمكن التقدير. فقد اعتقد قلة ان يكون في الجيش التركي المقموع والمخصي لا تزال قوى تتجرأ على خوض انقلاب بل وتنجح في تقديم حملة من الاف الجنود سرا دون أن يلاحظ الحكم ذلك.
والان يوشك هذا الجيش على أن يكون مقموعا ومخصيا اكثر. فالميزان الاولي حتى يوم امس يتحدث عن 6 الاف من رجال الجيش في المعتقل. وقد بات هذا 1 في المئة من اجمالي كل من يخدمون في الجيش، بينما لا تزال يد اردوغان على الجرار. في اعلانه اول أمس عن حالة الطوارىء قلص اردوغان صلاحيات الجيش أكثر فأكثر، ووضعه تحت إمرة المحافظين. وهو ينقطع عن الجيش ويلقي بكل آماله على قوات الشرطة وعلى الجمهور الذي يؤيده.
مئات الاف الجنود والضباط يشاهدون الان رفاقهم مهانين ومعذبين على ايدي الشرطة. ويحتمل أن بعد وقت غير طويل سيرون كيف يشنقون ولكن بعد ذلك فان هذا يغلي. هل يمكن لاردوغان ان يواصل الجيش المهان والمقموع لان يقتل من اجله في حرب عديمة الجدوى ضد الاكراد؟ هل سيوافقون على أن يكونوا حرس الحدود ولحم المدافع بلا صلاحيات وطنية؟ كم من الوقت سيمر الى ان تؤدي التطهيرات، التعسفية في معظمها ان تؤدي بمجموعة اخرى من الضباط الى الاستنتاج بانهم اذا كانوا على أي حال في الطريق الى المشانق، فمن الافضل لهم على الاقل ان يصارعوا؟
اما اذا كان اردوغان كما وعد سيكون “منصتا للطلب الجماهيري” لتطبيق عقوبة الموت – فانه سيفتح جبهة جديدة جدا اخرى حيال الاكراد. فالاكراد يفهمون بانه بعد المتمردين فورا هم الذين سيكونون من يلتف الحبل حول رقابهم. وعندما يبدأون بشنق الاكراد، فان كل تركيا ستنزف. فالشبان الاكراد سيسيرون كرجل واحد الى صفوف حزب العمال الكردستاني، وسيضرب الارهاب كل زاوية في تركيا، أما الاقتصاد التركي، بؤبؤ عين اردوغان، فسيتلقى ضربة شديدة.
رجال المخابرات هم ايضا لن يفلتوا من العقاب. ففي الاعلام التركي زعم انهم تلقوا اخطارا منذ بعد ظهر الجمعة، ولكنهم لم يبلغوا اردوغان. رئيس MIT، “الموساد” التركي هاكان فيدان سيدفع الثمن على هذا، ومشكوك ان يحصل على تعيين السفير الذي وعد به.
وفي هذه الاثناء يمتطي اردوغان النمر الذي اطلقه الى شوارع تركيا. جمهور مؤيديه، نحو نصف سكان الدولة يتصرفوا وكأن الانقلاب كان افضل ما حصل له. والدعوات المتكررة من اردوغان لهذا الجمهور للبقاء في الشوارع تفسر كإذن لاخذ القانون في الايدي. في اوساط مؤيديه رأيت هذا الاسبوع وجوها جديدة – اسلاميين على نمط داعش ما كان يمكن في الماضي رؤيتهم في جمهور مؤيدي الحزب الحاكم. اما الان فانهم يشعرون هناك في البيت.
صعب أكثر أن نعرف اذا كانت ثورة اردوغان المضادة ستركز فقط على زيادة صلاحياته، اما أنها ستتضمن ايضا ابعادا دينية تؤدي بتركيا الى النموذج الايراني. النصف الثاني من تركيا، العلمانيون والديمقراطيون ينظرون الى التطورات ويتملكهم الرعب. يرون رعاعا يأخذ الى يديه السيطرة في الشارع ويفهمون بان حتى كل كلمة انتقاد، كل بوست على الفيس بوك كفيل بان يؤدي الى الاعتقال الفوري. الاف الاتراك الذين اسمهم الشخصي هو فتح الله، على اسم الزعيم المنفي في الولايات المتحدة غولن، سارعوا هذا الاسبوع الى وزارة الداخلية بطلب لتغيير الاسم. ولكن هذا الجمهور كفيل ايضا بان يكون الامل. فمن وقفوا وصدوا باجسادهم الجيش التركي يفهمون بان في ايديهم القوة لصد قوى اكبر منهم. فكلما عذبهم يمكنهم ان يتكاثروا وان يقفوا ضده. في نهاية المطاف، يدور الحديث عن حكم فرد. لا بديل لاردوغان. كما أنه يحرص على الا ينمو تحته خلفاء، بحيث أنه لو حصل شيء ما ينزله عن المنصة، مشكوك أن يبقى حزبه في الحكم.
يا تركيا، نحن ورائك
محاولة الانقلاب في نهاية الاسبوع ستكون علامة طريق هامة في تاريخ تركيا، ليس فقط في تغيير طبيعة النظام، بل وربما ايضا بتغيير مكانها الجغرافي – السياسي. فبسكرة القوة والغضب، كفيل اردوغان بان يقود تركيا الى خارج حلف الناتو والابتعاد عن الولايات المتحدة. ويمكن للقاء القريب مع بوتين، موضع الاعجاب والقدوة له، ان يولد شبكة علاقات جديدة تماما مع الكرملين.
اردوغان يبني منذ الان حجة الغيبة ويتهم الطيارين الذين اسقطوا الطائرة الروسية بالمشاركة في المؤامرة ضده. رئيس الوزراء السابق الشريك القديم في الطريق، احد داوداوغلو، الذي اعترف بانه اصدر الامر باسقاط الطائرة، كفيل هو ايضا بان يكون ضحية مثل هذه الانعطافة. فسحب تركيا من اذرع الناتو سيكون بالنسبة لبوتين خطوة مظفرة، ورقة انتصار تلقى في وجه الولايات المتحدة والغرب.
وبالمقابل، يقف الاقتصاد التركي، قاعدة قوة اردوغان مع عملة باتت تهبط، مع سياحة تختفي واستثمارات اجنبية تبدأ بالتردد. فتحويل تركيا الى دولة اسلامية سيهرب ايضا المستثمرين الذين لا يترددون بعد.
مع كل الالم والنفور مما يجري في تركيا، خير تفعل اسرائيل في ابقائها على الصمت. ليس للموقف الاسرائيلي أي اهمية أو تأثير على مستقبل تركيا ولا يوجد اي سبب يدعو الى تخريب الاتفاقات التي تحققت في هذه اللحظة، حتى لو اصبح الحكم في تركيا كريها.
لقد كان مشوقا ان يكون المرء في تركيا هذا الاسبوع فيرى دولة ومجتمعا يكافحان في سبيل هويتهما. فليتقي زملاء صحافيين، ابطال حقيقيين يواصلون الكفاح في سبيل نشر الحقيقة وفي سبيل حرية التعبير، حتى حين يكون واضحا لهم بانهم سيدفعون ثمنا شخصيا باهظا.
في هذه الايام يهبط ظلام على تركيا ولا يمكن الا الامل الا يبعد اليوم ويشعل فيها النور ايضا. ولكن كان حزينا العودة من هذه الدولة المظلمة الى هنا والاكتشاف بان هنا ايضا يوجد من يجتهد لاطفاء النور. وان هنا ايضا توجد حكومة تعتقد بان الاهتمام الاكاديمي في اعمال الشاعر الاسرائيلي – الفلسطيني جريمة، وتحاول بلا خجل السيطرة على عموم وسائل الاعلام، ويوجد مئات من رجال الدين الفخورين بالتماثل مع القول ان اللوطيين هم منحرفون. في الزيارة السابقة الى تركيا قبل نحو شهرين شعرت باننا نوجد ثلاث خطوات خلفهم. اما هذا الاسبوع فقد اتخذنا خطوة اخرى نحوهم.
معاريف
