المعتصم خلف: صوف شامي

المعتصم خلف
بأيدٍ تلم الريح على جانبي جسد لا يمل من الإشارة والجلوس كانت تعقد حبال الصوف, تترك الحبل ليتدلى من إبهامها وكأنها تعدهُ بالعودة إليه بعد قليل, وإلى ما بعد قليل تنفذ وعدها بحركة دائرية كأنها ترشد غزالة إلى أهلها, الصوف تدريب الذاكرة على النسيان في حضرة الغد المريض, وهو حفظ الأمل للصور الناقصة عن الأمس.
هكذا كانت تهدأ نفسها بأدوات, تقود الصبر من شعره ليجلس معها على عتبة البيت, هي أم وجدة وغابة لا تعرف حدود نفسها لكثرة ما انتشرت في الأرض, ولا أدري حتى الآن كيف يمكنني أن أبدأ الحديث عنها كإنسان متجرد من صفاته الأسطورية, كأنها واحدة منا وكأنها جميعنا.
أقسم أهل الحي أنهم كانوا يسمعون صراخها في الليل وهي تنادي على ابنها الأصغر, كانت تصرخ بصوت لا ينتظر الاستجابة بل يبقى هكذا معلقاً على جدران البيت وحبال الغسيل, كانت تنادي وهي تتحسس بكفها عتبة الباب لتطل على الطريق العام, لا يظهر جسدها كاملاً ولا بصرها بل أنامل فقط تنتظر من يلمسها… وتنادي, تنادي على ابنها الأصغر الذي اعتقل منذ عامين من فراشه في إحدى المداهمات الأمنية, ومازالت من وقتها تخرج في ذات الوقت لتصرخ باسمه, ركضت في ليلتها خلف سيارة الأمن بأقدام عارية من المحاولة والوصول, ليلوح لها الحزن بأيدٍ مبتورة الأصابع نحو جرح طازج نتأ قبل قليل داخل جسد أم جلست على الأرض لتضرب ما سقط منها من دموع, أمام عيون تختلس النظر من خلف ستائر محكمة الإغلاق.
ومثل كل أم ظنت فقط لأنها أم سوف تزوره وتخرجهُ من معتقله,ومثل كل أم ظنت بالبكاء سيقف العالم عاجزاً أمامها… أكثر من شهر وهي تعد لابنها الطعام لتعود بهِ وهي تحمل حقيبة من الشتائم التي بللت جبينها بلعاب خشن, طُرِدت من كل المكاتب الحكومية ومن أمام كل الأبواب الأمنية, وعانقت كل السيارات الحزبية ليشفق عليهاأصحابها. ولكن انتهى زمن الحكومات الذي كانوا فيه يحترمون الأم كأنها أم.
كان تقول وهي خائفة من صدق كلامها : لم أعد أماً, منذ أن تدربت على نسج الصوف حول قلبي بأيدٍ تعيد لي الخيال واضح الصور, ومنذ أن فرطت رمانة الذاكرة حول إطار الصور التي غاب أصحابها, ولو مسحت غبارها لكدست ليلاً من البكاء.
لم تكن تعرف طريق المحكمة قبل اليوم ومنذ اليوم وهي تنتظر اسم ابنها في لوائح الأسماء التي ترسلها المعتقلات الأمنية للمحكمة كنوع من السخرية في لحظة عزاء, أسماء مشبوهة الصدق, عائلات تنتظر البطاقات الشخصية لأبنائهم الذين ماتوا, أمهات تنزلن درجات المحكمة خوفاً من الفاجعة, وهي لا تعرف من أين تبدأ وكيف تبدأ… ترجو شاباً ليبحث عن اسم ابنها في القوائم وكلما قال لها غير موجود تقول له ابحث مرة أخرى فيقول لها صدقيني غير موجود, لترجوه في المرة الثالثة بدمعة تسقط في تلهف لرفض الصوت الذي يقول بوجهها غير موجود, وهي تعرف أن الشاب قد بحث جيداً منذ المرة الأولى وأن الاسم غير موجود, ولكن هذه هي الأم عندما ترى أدوات الخسارة حولها وهي غير قادرة إلى الحق سبيل.
كانت كلما انتهت من القوائم الموجودة تتجه نحو بوابة الوافدين, باب أسود كبير لو شاهدتموه في خيالي لعرفتم كم هو ملطخ بالدماء والعيون والحنين, يقف خلفهُ أمهات يبحثن عن الأبناء لا شيء سوى الأمهات, أمهات يسترقن النظر نحو حافلات مسيجة شبابيكها بحديد سميك, تسترق النظر مع باقي الأمهات الذين يركضن بجانب الحافلات, ولو تعلمون كم مرة سقطت بالقرب من العجلات وبين الأقدام, وكم مرة أقسمت أنها شاهدت ابنها داخل حافلة واحدة في مقعدين…
شهر أيلول الصيف الماضي, حي “دمشق القديمة”…
“الزقاق الثالث على اليمين, الباب الثاني من جهة اليسار, باب معدني بلا جرس, حديدي اللون في المنتصف بشكل دائري لكثرة ما دقه الضيوف, أمي سمعها ثقيل أضرب الباب بقوة…”
بهذه الكلمات أرشد ابنها صديقه الذي سيخرج بعد أيام من المعتقل, وبالفعل خرج وتوجه نحو البيت, ودق الباب بقبضة يديه وراحتها وبعينيه وقدميه وجسده ولأكثر من نصف ساعة, دون أية إجابة, إلى أن انتبه أهل الحي للشخص الغريب, وعندما أدرك أن العيون تتفحصهُ اقترب من أحدهم ليسألهُ عن أصحاب البيت قال لهُ هي أم وحيدة وبالداخل, سأل بعدها سؤالاً ظنهُ غبياً أهي بخير ؟؟ نظر نحوه وقال لا نعرف عنها شيئاً ولا نريد أن نعرف شيئاً ولكن منذ يومين كانت تنسج الصوف أمام البيت, تحمس للكلام الذي سمعهُ وعاد ليدق الباب بشكل أعنف وأعنف… ولكن دون أي جواب… استحق الباب دفعتين ليخرج من مكانه ويدخل بحثاً عنها, كانت قد أنهت كنزة الصوف بأيدٍ باردة وغطاء صلاة قد أتمّ صلاتها عنها فوق رقعة من الرخام….

قد يعجبك ايضا