المعلم حين يُستعبد!

صحيح أن هناك مسؤولية كبيرة، جزء منها قانوني، تتحملها الحكومة في قضية الظلم الواقع على 8000 معلم ومعلمة؛ والمتمثل في المسلك اللاأخلاقي الذي يمارسه كثير من مُلاك وإدارات المدارس الخاصة.

القصة واضحة سهلة الإدراك؛ إذ إن الباحثين عن عمل كثر، ما يسمح باستغلالهم حد الاستعباد، عبر حرمانهم من حقوقهم العمالية الأساسية! هذا ما يفعله كثير من المدارس الخاصة بحق شريحة مهمة تؤدي رسالة مقدسة.

ولم لا، طالما أن هذه المدارس قادرة على القفز عن القانون والالتفاف عليه؛ بأن تقوم بتوقيع عقود عمل مع المعلمين لمدد تمكنها من عدم إخضاعهم للضمان الاجتماعي، والتهرب بالتالي من استحقاق قانوني، في مسلك يفاقم تشوهات بيئة العمل؟

الجزئية الأخرى ترتبط بماهية العقلية الذي تمارس هذا الفعل الدنيء، فتظن أن تسديد رواتب أشهر الإجازات، خصوصا الصيفية، ليس من واجبها، وأن التعامل مع المعلمين باعتبارهم عمال مياومة يعد أمرا عاديا!

حقيقة ما تفعله هذه المدارس هي أنها تمارس نوعا من أشكال العبودية، وإن أنكرت ذلك، بأن تقدم نموذجا بشعا لاستغلال الإنسان لأخيه.

هذا الفعل، وإن لم يدرك مقترفوه حجم الجريمة التي يجسدها، ربما يكون أحد أهم أسباب تدني مستوى التعليم، والضعف المخيف الذي بات يعتري العملية التعليمية، كما فقدان هذه المهنة لقدسيتها وقيمتها الاجتماعية، مع احترامي ومثلي كثيرون لكل المعلمين.

إذ كيف يمكن لمعلم أو معلمة أن يخلصا في عملهما ويرعيا أولادنا، فيما هما يعانيان الأمرّين؛ من قضم لأبسط حقوقهم، وليجهدهما التفكير في حاضرهما البائس ومستقبلهما المجهول؟! كيف لهما أن يعلما أطفالنا مفاهيم دولة القانون والمؤسسات والعدالة، والحق في الفرص المتساوية والتنافس النزيه، فيما هما ضحية غياب تطبيق حقيقي وفعلي لكل هذه المفاهيم؟!

قصة قرابة 8 آلاف معلم ومعلمة يعانون الظلم للأسف، لم تعلنها نقابة المعلمين، كما لم تأت المبادرة من وزارة التربية والتعليم، وهما المعنيتان أساساً بحفظ حقوق المعلمين وتحصيلها. الكشف عن الجريمة جاء من قبل المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، والتي يظهر أنها بذلت جهدا في إحصاء عدد المعلمين المظلومين، والساكتين عن سرقة حقوقهم لأنهم الأحوج إلى راتب آخر الشهر، حتى لو كان دون الحد الأدنى للأجور.

الوزارة مقصرة، لكن النقابة لم تقدم أداء أفضل. وليكون نتيجة تقصيرهما آلاف المعلمين الضحايا. وربما تتحمل النقابة مسؤولية أكبر، كونها المؤسسة التي خاض الجميع معارك لأجل تأسيسها. لكن على العكس مما هو متوقع منها، فقد كان الصمت هو الحل، رغم علمها اليقين بمثل هذه الممارسات ضد المعلم، والهيئة العامة للنقابة عموماً التي تعد الفئة التي يفترض بها رعايتها.

ما بعد الفضيحة، اكتفت النقابة بلوم الحكومة ممثلة بوزارة التربية والتعليم؛ محملة إياها المسؤولية بحجة تأخر إقرار نظام المؤسسات التعليمية الخاصة الذي يضبط هذه المسألة.

وما تقوله النقابة صحيح، لكنه ليس الحقيقة كاملة. إذ إن دورها وعلاقتها مع أعضائها إنما يرتبطان بقدرتها على التأثير والتغيير في واقع المعلمين ومهنة التعليم، وليس الإنكار بشأن مختلف القضايا التي تواجه هذه المهنة.

بالمحصلة، يضيع المعلم وحقوقه، والعملية التعليمية برمتها، بين مناكفات النقابة والوزارة. ويفقد الجميع فرص إنقاذ جزء مهم في هذه العملية، وهو المعلم الغارق في الظلم والإجحاف من زملائه قبل سواهم، ومن ضعف التشريعات التي تكفل له حقوقه.

ثم نسأل بعد كل ذلك لماذا تصدّع التعليم واقترب من الانهيار، ولماذا يوجد في غرفنا الصفية 100 ألف طالب أمي يجهلون القراءة والكتابة؟!

قد يعجبك ايضا