العالم يعلق رحلاته الجوية إلى لبنان وإحتمال التصعيد العسكري بين حزب الله ــ وإسرائيل بعد الإعتداء على حارة حريك بالضاحية الجنوبية في بيروت
المحامي الدولي فيصل الخزاعي الفريحات …
بعد مرور أكثر من (300) يوماً على الحرب المفروضة على قطاع غزة وأرتكاب جرائم إبادةجماعية وتطهير عرقي، تبدو إسرائيل اليوم أكثر من أي وقت مضى على وشك خوض حرب ثانية أوسع نطاقا مع ” حزب الله ” على الحدود الشمالية من فلسطين، وفي حزيران الماضي أعلن جيش الدفاع الإسرائيلي الموافقة على خطط لشن هجوم شامل على جنوب لبنان وقد بدأه الليلة على حارةحريك بالضاحية الجنوبية ، وفي منتصف تموز الجاري قال السيد حسن نصرالله إن حزب الله مستعد لتوسيع نطاق هجماته الصاروخية لتشمل مزيداً من البلدات الإسرائيلية، وعلى الرغم من أن هذا الإحتمال حظي بإهتمام قليل نسبياً في وسائل الإعلام الدولية فإن حرباً واسعة النطاق بين إسرائيل و حزب الله من شأنها أن تخلّف تداعيات تتخطى بخطورتها تلك المترتبة عن الصراع الحالي في غزة، ومن المرجح أن يؤدي أي هجوم جوي وبري إسرائيلي واسع النطاق ضد حزب الله التنظيم الأكثر تسليحاً في الشرق الأوسط، إلى حدوث إضطرابات في جميع أنحاء المنطقة، ولا سيما أنه قد يتسبب في زعزعة الإستقرار بخاصة مع دخول الولايات المتحدة الأمريكية مرحلة حاسمة من موسم الإنتخابات الرئاسية، ومن غير الواضح أيضاً ما إذا كان من الممكن أن تنتهي مثل هذه الحرب المفروضة بسرعة، أو ما إذا كان هناك سبيل واضح لتحقيق نصر حاسم، وفي الحقيقة قد تكون التداعيات بالنسبة إلى إسرائيل بحد ذاتها كارثية ووخيمة، فعلى رغم أن أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية كانت ناجحة للغاية حتى الآن في صد الهجمات الصاروخية من غزة ولبنان وإيران واليمن، إلا أن حرباً شاملة مع ” حزب الله ” ستشكّل تحدياً مختلفاً تماماً، ووفقاً لتقديرات الإستخبارات الإسرائيلية فإن مخزون ” حزب الله ” من الأسلحة أكبر بسبعة أضعاف من مخزون حركة ” حماس “، ويشمل على أسلحة أكثر فتكاً وتدميراً بكثير، وإلى جانب مئات المسيرات الهجومية فإن ترسانة حزب الله تشمل نحو 130 ألف إلى 150 ألف صاروخ وقذيفة، بما في ذلك المئات من الصواريخ الباليستية القادرة على إصابة أهداف في تل أبيب وحتى الوصول إلى أهداف أبعد في الجنوب، لا بل في الواقع في كل أنحاء البلاد، وعلاوة على ذلك بحسب ما تبين من الحروب السابقة، فإن لبنان ساحة معركة خطرة ومحفوفة بالأخطار، وكانت حرب إسرائيل الأخيرة مع حزب الله في صيف عام 2006 غير حاسمة، وعلى رغم إستشهاد عدة مئات من مقاتلي الحزب إلا أن قوته العسكرية بقيت على حالها إلى حد كبير، فضلاً عن أنه أصبح أفضل تسليحاً بكثير مما كان عليه حينذاك، وتشير تقديرات قيادة الجبهة الداخلية في إسرائيل إلى أنه إذا إندلع صراع واسع النطاق حالياً، فإن حزب الله سيطلق نحو 3 آلاف صاروخ وقذيفة في كل يوم من أيام الحرب، مما يهدد بإرباك الدفاعات الصاروخية الإسرائيلية، وسيتعين على إسرائيل أن تركز على حماية البنية التحتية الحيوية والقواعد العسكرية، وأن تطلب من السكان المدنيين البقاء في الملاجئ، وسيكون هذا التحدي أصعب من أي تحدّ آخر واجهه القادة الإسرائيليون في السابق، وفي الوقت الراهن لا يزال لدى الجانبين سبب لممارسة ضبط النفس، وفي الواقع يبدو أن جميع الجهات المشاركة في الصراع الحالي، أي إسرائيل وحزب الله وإيران والحكومة اللبنانية والولايات المتحدة الأمريكية تملك أسباباً قوية تدفعها إلى محاولة تجنب إندلاع حرب إقليمية، ولكن حتى لو تمكنت إدارة بايدن من التوصل إلى إتفاق بين إسرائيل و حزب الله يتضمن إنسحاب مقاتلي ” حزب الله ” من المنطقة الحدودية قد يجد قادة إسرائيل صعوبة في تجاهل رغبة جمهورهم الداخلي الذي يؤيد إتخاذ إجراء حاسم ونهائي في التعامل مع حزب الله، وإذا إستسلمت إسرائيل لهذا الإغراء من دون وضع نهاية واضحة المعالم أو إستراتيجية لتحديد نطاق الحرب فإن النتائج قد تكون كارثية، وعلى النقيض من حربها غير المتوقعة في غزة كانت إسرائيل تستعد منذ فترة طويلة لحرب مع حزب الله، وعلى رغم أن القيادة العسكرية الإسرائيلية فوجئت تماماً بالهجوم الذي شنته حركة حماس في السابع من تشرين أول/ أكتوبر 2023 إلا أنها توقعت لأعوام عدة أن تحاول حركة حماس أن تتوحد مع حزب الله وغيره من وكلاء إيران الإقليميين في هجوم منسق متعدد الجبهات ضد إسرائيل، وخلال الأعوام ألتي سبقت إغتياله على يد القوات الأميركية عام 2020، روّج الشهيد قاسم سليماني الذي كان يترأس فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني ويشرف على القوات المتعاونة مع إيران في جميع أنحاء الشرق الأوسط، بشكل نشط لإستراتيجية جديدة تسمى ” حلقة النار ” وتستند إلى فكرة أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية من خلال دعمها وتسليحها لمجموعة من المقاتلين الشيعية في معظمها، ستكتسب نفوذاً في دول مثل العراق ولبنان وسوريا واليمن، وفي الوقت نفسه عمل الشهيد سليماني على تعزيز العلاقات مع قطاع غزة الذي تسيطر عليه حركة حماس، وهذه المجموعات المسلحة ألتي يتمركز عدد كبير منها على حدود إسرائيل قدمت لإيران وسيلة ردع ضد الجيش الإسرائيلي الأكثر قوة، ومنحت طهران قاعدة جاهزة لشن الهجمات، وبحلول أوائل عام 2023 كان الشهيد صالح العاروري، أحد كبار قادة حماس المقيم في لبنان آنذاك والمسهم في توطيد علاقات حماس مع حزب الله، يتحدث علناً عن الحاجة إلى توحيد جميع الجبهات ضد إسرائيل، وبالنسبة إلى عدد من المسؤولين الإسرائيليين فإن حزب الله يشكل بإعتباره الأكثر تسليحاً والأفضل تدريباً بين هؤلاء المواليين لإيران التهديد الأكبر، وفي السابع من تشرين أول/أكتوبر 2023 وبينما كان هجوم حركة حماس يتكشف على طول الحدود المحيطة بغزة، سارع القادة الإسرائيليون إلى الأستعداد لهجوم أكبر محتمل من جانب حزب الله في شمال فلسطين في ساعات الصباح وبعد ظهر يوم السابع من تشرين أول/أكتوبر 2023، وبينما كانت قيادة الجيش الإسرائيلي تحاول بلا هوادة إنقاذ المجتمعات المحلية في جنوب إسرائيل والقواعد العسكرية المحيطة بغزة، كانت تنشر أيضاً أعداداً هائلة من القوات على الحدود اللبنانية تحسباً لقرار حزب الله الإنضمام إلى القتال، وعلى رغم أن هذه المهمة الثانية لم تحظ بتغطية إعلامية كبيرة في ذلك الوقت فإنها أثبتت نجاحاً أكبر بكثير من المهمة الأولى، ففي الجنوب حيث قُتل ما يقارب 1200 إسرائيلي وخطف 255 آخرين على يد حركة حماس ، أستغرق الجيش الإسرائيلي ساعات لا بل أياماً لأستعادة السيطرة، وفي المقابل نُشرت في الشمال ثلاث فرق إسرائيلية بسرعة كبيرة، بما في ذلك عشرات آلاف الجنود، وتردد حزب الله في شن هجوم ففاتته فرصة ضرب إسرائيل الضعيفة وغير المستعدة للهجوم، ومع ذلك ففي السابع من تشرين أول/أكتوبر 2023 كان الجنود الإسرائيليون الموجودون على الحدود يدركون أن كل شيء يعتمد على الأمين العام لـ “حزب الله” السيد حسن نصرالله، ولو تصرف حزب الله بصورة أكثر حسماً فربما ما كان الوضع ليكون مختلفاً كثيراً عما كان عليه في محيط غزة، لكن السيد حسن نصرالله إختار الإنتظار ولم يتحرك ” حزب الله ” إلا في اليوم التالي، ولم يطلق آنذاك إلا عدداً محدوداً من الصواريخ والمسيرات والقذائف المضادة للدبابات بإتجاه مواقع الجيش الإسرائيلي والمجتمعات الحدودية الإسرائيلية، وبحلول ذلك الوقت كان جيش الدفاع الإسرائيلي قد نشر عدداً كبيراً من القوات على الحدود وبدأ بالرد على النيران، على رغم أن أياً من الطرفين لم يحاول أن يعبر الحدود، والحقيقة هي أن حزب الله وراعيته أخذ إيران على حين غرة في السابع من تشرين أول/أكتوبر 2023، تماماً مثلما حدث مع إسرائيل، ووفق مصادر إستخباراتية إسرائيلية ومصادر من حماس لاحقاً، فإن زعيم حماس في قطاع غزة يحيى السنوار لم يُخطر شركاءه في طهران وبيروت مسبقاً بنياته، وإذا نظرنا إلى الوراء فإن الإستخبارات الإسرائيلية تشير إلى أنه لو أبلغ إيران و”حزب الله” بخططه لكان بإمكانهما إعتراض بعض الإتصالات بين أعضاء حماس والتدخل لوقف الهجوم، ولكن في ذلك الوقت لم تكن هذه المعلومات معروفة وكان المسؤولون الإسرائيليون يخشون وقوع الأسوأ، وفي ذلك اليوم أتخذ الجيش قراراً مصيرياً آخر وافقت عليه الحكومة الإسرائيلية، فأصدر أمراً بإجلاء جميع السكان الإسرائيليين الذين يعيشون على بعد ثلاثة أميال من الحدود الشمالية، ونتيجة لذلك تحوّل نحو 60 ألف إسرائيلي إلى لاجئين داخل بلدهم، يقيم معظمهم في فنادق في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك تل أبيب بتمويل من الدولة، وفي وقت صدور أمر الإجلاء كان من المفترض أن يكون إجراءاً موقتاً، ولم يتوقع أحد أن هؤلاء الأشخاص سيظلون نازحين بعد مرور أكثر من تسعة أشهر، ولكن بمجرد إخلاء هذه القرى والبلدات في شمال إسرائيل حوّلها حزب الله إلى ميدان للرماية، مما جعل كثيراً منها غير صالح للسكن تقريباً، وفي الواقع إن الشكوى المشتركة بين الإسرائيليين هي أن إخلاء الشمال أعطى حزب الله منطقة أمان بعمق ثلاثة أميال داخل إسرائيل، وبالتالي غيّر الوضع الراهن على الحدود الذي كان قائماً إلى حد ما منذ حرب عام 2006، وحقيقة أن عدد المواطنين اللبنانيين الذين أجبروا على الخروج من منازلهم أيضاً، ومن مناطق أبعد عن الحدود، قد بلغ ضعف عدد الإسرائيليين النازحين، ولكن يمكن القول إن الأمر الأكثر أهمية الذي حدث في أعقاب أحداث السابع من تشرين أول/أكتوبر 2023 مباشرة كان نتيجة النقاش الساخن داخل الحكومة الإسرائيلية حول ما إذا كان ينبغي شن هجوم واسع النطاق على حزب الله نفسه، ولو كان الأمر في يد بعض القادة العسكريين الإسرائيليين لكانت إسرائيل شنت حرباً ربما ضد حزب الله حتى قبل بدء غزو جيش الدفاع الإسرائيلي لقطاع غزة، ففي الـ 10 من تشرين أول/أكتوبر 2023 ألقى الرئيس الأميركي جو بايدن خطاباً مهماً وعد فيه بتقديم المساعدة الأميركية لإسرائيل ضد حزب الله وإيران، بما في ذلك إرسال حاملتي طائرات إلى المنطقة، وإضافة إلى ذلك حذر القيادة الإيرانية بكلمة واحدة : ” إياكم ..!”، وقد أخذت طهران هذا التحذير بعين الإعتبار هذا وفي قاعدة الكيريا مقر قيادة جيش الدفاع الإسرائيلي في تل أبيب، كان بعض الضباط يذرفون الدموع وهم يشاهدون خطاب الرئيس، وكانت هذه أول أخبار سارة يسمعونها منذ بدء أحداث السابع من تشرين أول/أكتوبر 2023 المرعبة، ومع ذلك فبعد يوم واحد حاول وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت وبعض الجنرالات الضغط على رئيس الوزراء النتن ياهو للموافقة على إجراء عملية كبيرة ضد “حزب الله”، وكان من الواضح أنها ستشمل إغتيال قادة بارزين في الحزب، لكن النتن ياهو كان يعلم أن التحذير الذي وجهه بايدن لإيران كان موجهاً إليه أيضاً، وقد أدرك أن أي هجوم كبير على “حزب الله” من المرجح أن يؤدي إلى إجتياح بري لجنوب لبنان، وكان يشكك في قدرة الجيش على خوض معارك ضارية على جبهات عدة، بعد أيام قليلة من هجوم حماس على الإسرائيليين في السابع من تشرين أول/أكتوبر 2023، لذا فعل النتن ياهو شيئاً غريباً تماماً وفقاً للمسؤولين الذين كانوا حاضرين بعد ظهر ذلك اليوم فقد طلب من حرسه الأمني أن يمنع غالانت من دخول مكتب رئيس الوزراء في تل أبيب، وعندما تمكن غالانت من الدخول بعد ساعات عدة كان الأوان قد فات لتنفيذ الضربة الجوية، وفي ذلك المساء قرر النتن ياهو أيضاً دعوة بيني غانتس وغادي أيزنكوت، وهما رئيسان سابقان لهيئة أركان الجيش الإسرائيلي وقياديّان في حزب الوحدة الوطنية الوسطي إلى حكومة الحرب المشكّلة حديثاً، وهي خطوة من شأنها أن تسمح للحكومة بكبح بعض الأفكار المتشددة التي اقترحها غالانت أو شركاؤه من القادة الآخرين في الائتلاف اليميني بسبب خلفيتهما العسكرية، كان غانتس وأيزنكوت يشعران بالقلق من أن الحرب الفورية على لبنان ستفوق طاقة الجيش الإسرائيلي بعد الفشل الذريع في غزة، ومع تطور الحرب على غزة ظل الوضع على طول الحدود الشمالية متقلباً، وعلى رغم أن كلا الجانبين مارسا درجة من ضبط النفس إلا أن إسرائيل قررت التصعيد خلال مناسبات عدة، ففي أوائل كانون الثاني 2024 أغتالت القوات الإسرائيلية الشهيد صالح العاروري زعيم حركة حماس أثناء إقامته في الضاحية الجنوبيه، المنطقة المكتظة سكانياً من الطائفة الشيعية في بيروت، وهو ما يُعتبر تجاوزاً وتصعيداً كبيراً، إذ إن الهجمات الإسرائيلية نادراً ما كانت تستهدف خلال الأعوام الأخيرة مناطق بعيدة شمالاً مثل بيروت، وفي الآونة الأخيرة أغتالت إسرائيل أيضاً ثلاثة من كبار قادة حزب الله، وطوال فترة الحرب قصفت القوات الجوية الإسرائيلية بشكل متكرر قوافل الأسلحة وقتلت في بعض الأحيان عناصر من حزب الله في سهل البقاع والهرمل قرب حدود لبنان مع سوريا، وحتى منتصف تموز الجاري أكد حزب الله مقتل أكثر من 370 من مقاتليه في الغارات الإسرائيلية منذ بدء الحرب على غزة، وكذلك قُتل عشرات المسلحين الفلسطينيين والمدنيين اللبنانيين، بدوره زاد حزب الله تدريجياً نطاق هجماته الصاروخية ووتيرتها، وعلى الجانب الإسرائيلي قُتل ما يقارب 30 جندياً ومدنياً، وقد تحولت البلدات والقرى المحاذية للحدود من الجانبين إلى دمار كامل، وتقول السلطات الإسرائيلية إن أكثر من 1000 منزل ومبنى تعرضوا لأضرار بالغة نتيجة لهجمات حزب الله، وهناك تقييمات مماثلة في ما يتعلق بالأضرار على الجانب اللبناني، لكن قد يكون التأثير الأكبر في إسرائيل حتى الآن هو التهجير الطويل الأمد لعشرات آلاف الإسرائيليين، وعندما طلبت الحكومة الإسرائيلية من سكان البلدات القريبة من الحدود الشمالية إخلاء بيوتهم كان ذلك في الأساس إستجابة للمخاوف الأولية ألتي أنتابتهم من إحتمال تعرضهم لمصير نظرائهم نفسه قرب غزة : هجمات مفاجئة يشنّها حزب الله على البلدات والقرى قد يؤدي إلى أعمال عنف مروعة، ولكن خلال الأشهر القليلة الماضية إزداد القلق في شأن إستخدام ” حزب الله ” المزيد للصواريخ المضادة للدبابات وألتي يصل مداها إلى 10.4 كيلومتر، وهي دقيقة للغاية ويصعب أعتراضها، وقد تسببت هذه الصواريخ في وقوع كثير من الدمار والضحايا في الشمال منذ بدء أعمال العنف، كما أن إنتشار مقاتلي حزب الله وتسليحهم لمناطق جنوب نهر الليطاني الذي يتدفق عبر جنوب لبنان على مسافة قريبة من الحدود الإسرائيلية يعتبر من نقاط الخلاف الرئيسة بين إسرائيل و حزب الله، ووفقاً لأتفاق وقف إطلاق النار عام 2006 كان من المفترض أن يبقى حزب الله شمال الليطاني، وأن تكون الأرض بين النهر والحدود الإسرائيلية ألتي يتراوح عرضها بين 11.2 كيلومتر في الشرق و32.1كيلومتر تقريباً في الغرب تحت سيطرة الأمم المتحدة، ولا يُسمح إلا للجيش اللبناني بالوجود عسكرياً هناك، لكن هذه التدابير لم تنفذ قط، ومنذ البداية فرضت قوات ” حزب الله ” سيطرتها الفعلية على الحدود مع إسرائيل، وبالتالي فإن المطلب الأكثر أهمية لإسرائيل هو أن مقاتلي حزب الله وبخاصة قوات النخبة التابعة للحزب ألتي تحمل أسم قوات الرضوان، وهي قوات العمليات الخاصة ألتي أنشئت بهدف إجراء إقتحامات وشن هجمات عبر الحدود مع فلسطين، يجب أن تبقى شمال نهر الليطاني وفي المقابل قال : حزب الله إنه لن يقبل بأتفاق لوقف إطلاق النار في المستقبل لا ينص على العودة للوضع الذي كان سائداً قبل السابع من تشرين أول/أكتوبر 2023، وهذا يعني السماح لمقاتلي ” حزب الله ” بالعودة لجنوب الليطاني، وفي مثل هذا السيناريو من المرجح أن يسعى الحزب أيضاً إلى إعادة بناء المواقع العسكرية الـ 20 ألتي أنشأها على طول الحدود قبل عامين، وقصفها الإسرائيليون ودمروها بعد فترة وجيزة من بدء الحرب على غزة، ومنذ أواخر عام 2023 يحاول المبعوث الأميركي الخاص للرئيس بايدن إلى المنطقة آموس هوكشتاين التوسط للتوصل إلى وقف لإطلاق النار بين إسرائيل و”حزب الله”، لكن الحزب أوضح أنه سيواصل القتال ما دامت الحرب الإسرائيلية على غزة مستمرة، وفي مطلع تموز الجاري أطلقت واشنطن حملة جديدة للتوصل إلى إتفاق في شأن الرهائن بين إسرائيل و حماس ويشمل وقفاً لإطلاق النار في غزة خلال تنفيذ المرحلة الأولى من صفقة تبادل الأسرى، وإذا نجحت هذه الخطة، على رغم أن فرص نجاحها تبدو ضئيلة في الوقت الحالي، فسيعمل البيت الأبيض على الفور على دفع المفاوضات الإسرائيلية ـــ اللبنانية إلى الأمام، وفيما يتعلق بالجبهة الشمالية تنظر قيادة الجيش الإسرائيلي إلى وقف إطلاق النار في غزة بإعتباره نقطة تحول من شأنها أن توفر فرصة لإنهاء الأعمال العدائية في الشمال، لكن الإفتراضات الأميركية والإسرائيلية حول حدوث إنفراج مع ” حزب الله ” قد تكون متفائلة أكثر من اللازم، وفي أعقاب الفشل الإستخباراتي الإسرائيلي على طول المناطق المحيطة بغزة، كيف يمكن طمأنة المجتمعات المحلية الشمالية في إسرائيل بأن الجيش الإسرائيلي لن يفوّت إشارات مماثلة على الحدود اللبنانية ..؟ وفي الواقع أصبح من الواضح أن الجيش الإسرائيلي سيضطر إلى نشر عدد كبير من قواته بشكل دائم في الشمال وحول غزة، وحتى في هذه الحال سيكون الأمر متروكاً لسكان هذه المناطق ليقرروا ما إذا كان الوضع آمناً أم لا، وإذا لم يقتنعوا فإن كثيرين منهم لن يعودوا، ويبقى يعتقد بأن السيد حسن نصرالله يأمل في تجنب حرب واسعة النطاق مع إسرائيل، ومع ذلك فهو يرى أن التصعيد الإضافي أمر وارد تماماً، حتى لو كان غير مقصود، وقد يقرر أحد الطرفين توجيه ضربة أستباقية للآخر كما حدث الليلة الإعتداء على حارة حريك بالضاحية الجنوبية خوفاً من أن يكون خصمه يخطط لهجوم مفاجئ مماثل، وإذا أبقى حزب الله قواته في الجنوب في حال تأهب قصوى فمن الممكن أن تفترض الإستخبارات العسكرية الإسرائيلية خطأً أن الحزب يستعد لعملية فورية فترد عليه بقوة هائلة، وقد يسهم الإطار الزمني أيضاً في زيادة التأييد داخل إسرائيل لفكرة مواجهة حزب الله قريباً، ومع بدء العام الدراسي في الأول من ايلول /سبتمبر المقبل بدأ صبر عائلات كثيرة في الشمال ينفد، ويخشى رؤساء البلديات المحلية في الشمال أنه من دون إتخاذ إجراءات حكومية سريعة فسيختار عدد كبير من العائلات مغادرة المنطقة من دون رجعة، وقد أكتسبت حكومة المجرم النتن ياهو سمعة سيئة بسبب إهمالها للمجتمعات الموجودة على الخطوط الأمامية في الحرب، وعلى رغم إنشاء مكتب خاص للتعامل مع حاجات سكان الجنوب، لم يُتخذ أي إجراء من هذا القبيل في الشمال، وخلال الأسابيع الأخيرة إستغل زعماء المعارضة فشل الحكومة في معالجة الأوضاع الأمنية على الحدود الشمالية، وربما سيدرك النتن ياهو أن الوقت ينفد، وأن خلق الوضع المتوتر على الحدود الشمالية يعد معضلة بالنسبة إلى الحكومة الإسرائيلية، وعلى رغم أن النتن ياهو وغالانت قد هددا حزب الله ودولة لبنان بالتدمير الكامل إذا شن حزب الله حرباً شاملة، لا يبدو أن أياً منهما متحمس لمثل هذا السيناريو في الوقت الحاضر، وكان قد تأسس في أعقاب الغزو الإسرائيلي الأول للبنان عام 1982 فيما يُعرف الآن بحرب لبنان الأولى، وبحلول عام 2000 تمكن حزب الله من طرد الإسرائيليين من المنطقة الأمنية ألتي أعلنها في جنوب لبنان، مما إضطر الجيش الإسرائيلي إلى الإنسحاب الكامل بسبب القلق العام الإسرائيلي المتزايد في شأن الخسائر العسكرية، وبعد ذلك إنتهت الحرب ألتي إندلعت في عام 2006 بعد 34 يوماً بتعادل غير مرض ترك الجانبين غير سعيدين وقلقين من حدوث مواجهة مباشرة ضخمة أخرى، ويعتقد عدد من المحللين الإسرائيليين أن ” حزب الله ” أعد نفسه جيداً للجولة المقبلة، وإذا إنجرّت إسرائيل إلى حرب واسعة النطاق فمن المنطقي الأفتراض أن الجيش الإسرائيلي سيفضل في الغالب صراع المواجهة عن بعد الذي يعتمد فيه بصورة أساس على تفوقه الجوي وقدراته الهجومية الدقيقة، ومن المحتمل أيضاً أن ينفّذ جنرالات إسرائيليون توغلاً برياً محدوداً داخل الأراضي اللبنانية، لكن من المشكوك فيه أن يجعلوا القوات الإسرائيلية تتقدم شمال نهر الليطاني، إذ إن خطوة من هذا النوع من شأنها أن تخاطر بتبديد قواتهم وتشتيت جهودهم بخاصة إذا إستمرت الحرب على غزة خلال تلك الفترة، وأي قرار بالهجوم يجب أن يأخذ في الإعتبار القوة البشرية المحدودة المتاحة لإسرائيل بعد تسعة أشهر من القتال في غزة، وفي تموز الجاري وافق الكنيست على مشروع قانون لتمديد الخدمة العسكرية الإلزامية إلى ثلاث أعوام كاملة في محاولة لتعويض النقص في عديد الجيش، وقد ألمح مسؤولون إسرائيليون أيضاً إلى أن الجيش يواجه نقصاً حاداً في كمية القنابل والقذائف الدقيقة في غزة، مما قد يضع قيوداً كبيرة على هجوم متزامن في لبنان، أما بالنسبة إلى القوات البرية فعلى رغم النجاح العسكري النسبي الذي تحقق في غزة فإن التحدي في لبنان سيكون مختلفاً، وعلى الرغم من أن جنوب لبنان من المفترض أن يكون خالياً تقريباً من المدنيين إلا أن حزب الله أكثر تقدماً بكثير من حماس، ومن المحتمل أن يكون الجيش الإسرائيلي قادراً على الفوز في المعركة في جنوب لبنان إلا أنه قد يتكبد خسائر فادحة وكبيرة، وسيتعين على إسرائيل أيضاً أن تأخذ في الإعتبار الأخطار ألتي تهدد جبهتها الداخلية بأكملها، بما في ذلك مدن مثل تل أبيب وحيفا ألتي من المرجح أن تتعرض لهجمات صاروخية مستمرة، بما في ذلك الصواريخ الموجهة الأكثر تطوراً التي تلقاها حزب الله من إيران خلال الأعوام الأخيرة، ويرى بعض السياسيين والجنرالات الإسرائيليين أن هناك نهجاً بديلاً أكثر إعتدالاً، فهم يعتقدون أنه من خلال تكثيف الضغط العسكري على حزب الله لبضعة أيام فقد يتراجع وينسحب بعيداً من الحدود خوفاً من إندلاع حرب شاملة وما قد ينتج منها من دمار في لبنان، وهذه حال خطرة من الآمال الواهية والأحلام البعيدة المنال، وفي الواقع وبمجرد حدوث هذا النوع من التصعيد فسيكون من الصعب جداً على إسرائيل أن تملي على ” حزب الله ” متى يجب أن تتوقف الحرب، وإذا قرر النتن ياهو ضرب أهداف منتقاه في بيروت فقد يقرر السيد حسن نصرالله الرد بالمثل من خلال ضرب تل أبيب، وإذا إخترق جزء من هذا الهجوم دفاعات إسرائيل المضادة للصواريخ، فستنشأ ضغوط هائلة لتصعيد الحرب وهذا من شأنه أن يعرّض السكان المدنيين للخطر في كلا البلدين حتماً، وفي الوقت الحالي يواصل الجانبان محاولة إعادة إرساء قوة ردع أي إستراتيجية تهدف إلى منع الخصم من اتخاذ إجراءات عدوانية من خلال إظهار القدرة والرغبة في الإنتقام بقوة، على رغم الهجمات المتصاعدة، ولقد تحدث السيد حسن نصرالله علناً عن معادلة إستراتيجية تختار فيها جماعته أهدافاً معينة رداً على الإعتداءات الإسرائيلية المتكررة، ويدرك الجانبان تماماً حجم الدمار الذي قد تجلبه حرب واسعة النطاق، والأعتداء الليلة على حارة حريك بالضاحية الجنوبية في بيروت وهي جزءاً من الإعتداءات القادمة على لبنان حسب تحليلي يمكن أن تتسبب في تدمير جميع البنية التحتية المدنية التابعة للدولة اللبنانية في غضون أيام قليلة، وحتى الآن لم تقدّم إيران سوى الدعم المباشر لـ ” حزب الله ” في لبنان، وفي المقابل يستطيع ” حزب الله ” بترسانته الضخمة أن يجبر الإسرائيليين على البقاء في الملاجئ لأسابيع متواصلة، وفي حال حدوث نزاع مسلح شامل فقد لا يكون قصيراً، وهناك إحتمال أن يحاول ” حزب الله ” بتشجيع من إيران شن حرب إستنزاف، على أمل أن يؤدي ذلك تدريجياً إلى انهيار إسرائيل، وبالطريقة ألتي تصورها قادة طهران المتشددون، وبعد مراقبة الحرب في أوكرانيا من بعيد كان عدد من الإسرائيليين يخشون أنهم قد يواجهون سيناريو مماثلاً، حرباً لا نهاية لها ومصممة لأستنزاف عزيمة البلاد وقدراتها إلى أن تستسلم للضغوط الخارجية وما لم يتوقعوه في ضوء هجوم “حماس” على المجتمعات المحلية الإسرائيلية في السابع من تشرين أول/أكتوبر 2023 هو أن إسرائيل ستجد نفسها فعلياً في وضع مماثل للوضع في أوكرانيا، ولكن بينما تسعى إلى الدفاع عن نفسها فستتعامل معها دول غربية عدة ووسائل إعلام دولية وكأنها روسيا أخرى، فتكاد تكون دولة منبوذة، ولا شك في أن الحكومة الروسية سعيدة برؤية الحرب تطول في غزة لأنها تحول إنتباه الغرب وموارد الولايات المتحدة الأمريكية بعيداً من حملتها الدموية في أوكرانيا، وما كان يُعتبر ذات يوم أجمل مناطق إسرائيل أصبح الآن مشوهاً جراء صراع عسكري متوسط الحدة، وقد تحولت منازل كثيرة في القرى الواقعة على طول الحدود إلى دمار في الغالب بسبب صواريخ كورنيت المضادة للدبابات الروسية الصنع، المرسلة من إيران إلى ” حزب الله ” والمؤدية إلى أضرار أكبر من تلك ألتي تحدثها صواريخ الكاتيوشا ألتي أعتمد عليها ” حزب الله ” في الماضي، بأن الجنود الإسرائيليين قد أصبحوا مجبرين الآن على مغادرة بعض المواقع الأمامية سيراً على الأقدام عند ذهابهم في مأذونية، لأنه من الخطر للغاية السماح لمركبات كبيرة بدخول منطقة معرضة بإستمرار لصواريخ حزب الله المضادة للدبابات، ولقد أظهرت الحرب الحالية على غزة كم من السهل إطالة أمد هذا النوع من الصراع، وبالحكم على الحروب الماضية بين إسرائيل ولبنان فمن غير المرجح أن تكون لهذه الحرب نهاية مُرضية، وهناك من يقول اليوم بأن إسرائيل وجدت نفسها في وضع مماثل لوضع أوكرانيا ولكن سرعان ما جرى التعامل معها وكأنها روسيا أخرى.
حمى الله لبنان وشعبه الأغلى على قلبي من كل سوء
المحامي الدولي فيصل الخزاعي الفريحات