الانتخابات..شهادة شخصية من غرفة العمليات

لو أطلّ المحتجون من أنصار المرشحين الخاسرين على ماكان يدور خلف أسوار الهيئة المستقلة للانتخاب، لترددوا كثيرا قبل أن يقدموا على قطع الطرقات وحرق الأشجار وإشعال الإطارات في الشوارع.
تابعت تجارب الانتخابات النيابية السابقة من خلال عملي في الصحافة، لكن هذه المرة عشت التجربة بكل تفاصيلها في غرفة العمليات، إلى جانب عدد من الزملاء وأشخاص من أصحاب الخبرة في مجالات الإحصاء والإدارة والرقابة والقضاء، ضمن فريق اللجنة الخاصة، التي تشكلت حسب نص قانون الهيئة لتدقيق نتائج الانتخابات، واستخراج أسماء القوائم والمرشحين الفائزين، والإعلان عنها. وقد تولى رئاسة اللجنة وإدارة عملها باقتدار رئيس ديوان المحاسبة السابق الدكتور مصطفى البراري، الذي عمل بصبر وكفاءة، وشعور كبير بالمسؤولية الوطنية.
عملنا جميعا تحت القسم القانوني، وكنا على قناعة تامة بأن قيمة هذه الانتخابات تنحصر في نزاهتها.
كان يساعدنا في عملنا فريق من الشباب النابهين والمختصين، زاد على سبعين شخصا، تتلخص مهمتهم بمطابقة كشوفات الصناديق الورقية بالإلكترونية، وحصر الأخطاء إن وجدت، لتتولى اللجنة الخاصة حصرها وتصويبها وفق قواعد وتعليمات معدة مسبقا، واستنادا إلى نصوص قانونية.
عملت اللجنة ومعها فرق التدقيق المساندة لأكثر من 36 ساعة متواصلة، راجعت خلالها مئات المحاضر وآلاف الصناديق، وحصرت مئات الأخطاء في الجمع والنتائج.
لم نكن ننظر إلى أسماء القوائم أو المرشحين، كان همنا أن نعطي كل ذي حق حقه من الأصوات. لم تتدخل جهة داخل الهيئة أو من خارجها في عملنا. رئيس الهيئة وأعضاء مجلسها كانون يقيمون إقامة دائمة وممتدة لعدة أيام في مقر الهيئة. لم يأت أحد ليسألنا عن أسماء الفائزين. كانت سلطة تدقيق واستخراج وإعلان النتائج كلها في يد اللجنة المختصة التي لاتضم في عضويتها موظفا حكوميا أو مسؤولا في جهة رسمية.
ما من محضر انتخاب إلا وخضع للتدقيق. وإذا صدف وتأخر وصول كشف من إحدى الدوائر، كان المعنيون بتدقيق النتائج من أعضاء اللجنة يتوقفون عن العمل لحين توفر جميع الكشوف.
معظم الأخطاء التي تم حصرها عند مقارنة الكشوف الورقية بالإلكترونية، كانت فنية بدرجة كبيرة، ومردها عدم دقة كفاءة مدخلي البيانات في المراكز الانتخابية، والإرهاق جراء العمل لساعات طويلة، والعمل تحت ضغط المرشحين وأنصارهم.
وعمل اللجنة الخاصة لم يكن محاطا بالسرية؛ فهو كسائر مراحل الاقتراع والفرز والجمع، كان حيا على الهواء مباشرة، ويمكن مشاهدته لحظة بلحظة على شاشة كبيرة في المركز الإعلامي.
على مدخل الجناح الخاص باللجنة الخاصة، وقف ثلاثة من رجال الأمن، على مدار الساعة. لم يكونوا ليسمحوا بدخول أي شخص لايحمل بطاقة الدخول الخاصة بهذا القسم. وفي أحيان كثيرة كنت أشاهدهم يفتشون المراسلين الذين يقومون على خدمة العاملين في الجناح الخاص عند دخولهم وخروجهم. وعلى بوابات مكاتب التدقيق وقف رجال أمن أيضا لمنع دخول غير المصرح لهم من أعضاء اللجنة، وفرق التدقيق، وهؤلاء لم يكن يسمح لهم بمغادرة أسوار الهيئة تحت أي ظرف. وتم تخصيص موظفين لتأمينهم باحتياجاتهم من السجائر وسواها من الضروريات. ومثل سائر العاملين في الهيئة افترش العشرات منهم الأرض ليلة الانتخابات في انتظار وصول الكشوفات الورقية.
وفي كل مرة لجأنا لسؤال رئيس أو أعضاء مجلس مفوضية الهيئة عن أمور تتعلق بالنتائج، كنا نسمع الجواب نفسه:” هذا شغلكو مش شغلنا”.
شهدت ذات مرة الانتخابات في غرفة عمليات حكومية، وهذه المرة في الهيئة المستقلة؛ شتان بين الغرفتين. الفارق مابينهما هي المسافة التي قطعناها على طريق الإصلاح في السنوات الأخيرة.

قد يعجبك ايضا