المعتصم خلف: قضية الكاتب العربي وآليات التعاطي الثقافي مع المجتمع
شبكة وهج نيوز – عمان – المعتصم خلف :
تختلف آليات الكتابة في الوطن العربي بحسب التجارب التي يخضع لها هذا الوطن وبحسب الأحداث التي تفرض نفسها بنفسها , وقد يندرج مع هذا الاختلاف أفكار جديدة ونصوص مختلفة عن نصوص الماضي , وكل ذلك لهُ سبب واحد هو التطور الثقافي والسياسي والاجتماعي , وهذا الاختلاف الكبير لهُ ردة فعل في قلب المجتمع العربي وفي قلب القارئ العربي الذي يحاول الربط بين الماضي والحاضر , فملاُ نشر كتاب في سنة 1990 ليس كعملية نشر كتاب الآن , ولكن الاهم من فكرة النشر فكرة تقبل المجتمع للكتاب , ومن تفاصيل هذا التطور يمكن أن نحدّد ملامح فترة قادمة وشكل ثقافة جديدة سيأتي , ولكن الآن بين ماضٍ كان أقوى على المستوى الحرفي للكلمة وبين حاضر يتميز بالتهرّب من القضايا كيف يمكن أن نحدد صورة الثقافة في المجتمع العربي .
التقديم الثقافي اليوم أمام المجتمع يكون ضمن المؤتمرات الجامدة والوعود الغامضة والمبهمه , وكل ذلك يبنى على مواد ثقافية جامدة وافتراضات غير كاملة , لأنها ضمن كاميرات الأعلام وأدواته , لذلك نحن بحاجة إلى خطوة مبنية على الواقع الحقيقي للثقافة العربية , ونحن بحاجة إلى خطوات تضمن أكثر من قلم شاب لأنه يستطيع أن يتفهم المتطلبات الثقافية للشارع العربي ولجمهورة .
الواقع اليوم يفرض علينا أكثر من قضية و أكثر من ضدّ لهذه القضية ,والواقع اليوم يشرّع لنفسه الخطأ ويشرّع لنفسه الهروب من الضروريات اللغوية , وهذا الهروب نراه في أكثر من قلم ومع أكثر من أديب وروائي , ونحن نعلم بوجود أكثر من جائزة في الوطن العربي تدعم هذه الفكرة , فهي تُمنح للأدباء الذي يبتعدون عن قضايا وواقع الوطن العربي , وكأنّ الصمت الأدبي عن أكثر من عدو يكافأ بالمال , وكلمة عدو هذه لا تعني المعنى الكياني أو المادي للكلمة , فالجهل عدو والتسلّط عدو وحتى الروايات التي تتبنى قضايا لا تشبهنا هي عدو .
لتوضيح فكرة القضايا العربية التي يجب أن تعزز التعاطي الثقافي مع المجتمع فيجب أن نبتعد عن افتعال القضايا التي تنسينا همنا , فالحبّ ليس قضية في الوقت الحاضر , هذه الجملة يجب أن تقال لكل روائي يسلّط الضوء على الحب كأنه قضية القضايا , الروايات التي تبنى على قصص الحب ليست مرفوضة , ولكن المفروض هو الروائي الذي يعتمد على الحب فقط كمادة للكتابة .
الكاتب الذي يكتب عن الحب وحده يبقى ناقصاً لأنه لا يملك دائرة أكبر لنراه من خلالها , فالحب هو الحاضن الأصغر للكاتب وليس القضية الأكبر أو الدائرة الأساسية , رحم الله نزار قباني أدّى هذا الدور في الوقت الصحيح وبالطريقة الصحيحة في وقت كان فيه الحب ممنوع بالشكل الظاهر أوالواضح , لذلك يجب أن نسلط الضوء على قضايا جديدة , لأن الاستمرار في قضايا الحب والمرأة وحتى الرجل يعني أننا لم نلتفت لقضايا أخرى وسنبقى عند نقطة واحدة , فهذه دعوة للكاتب أو الكاتبة التي ترى بالحب قضية أساسية في وقت يجب أن نرى قضية أخرى يمكن أن تزيد المخزون الأدبي أكثر.
كيف يمكن أن نصل بالفكر الثقافي إلى شريحة من المجتمع لا تقرأ , أو كيف يمكننا أن نعرض فكرة نص لمجتمع يعرف من الكتب عناوينها أو حتى نسي ما قد قرأ , كيف يمكن أن نستفيد من الشريحة التي تقرأ ونقدمها بالطريقة الصحيحة , وهل يكفي أن يقرأ المثقف العربي فقط , كلها أسئلة لها أكثر من جواب ولكن يمكن أن نختصرها بعدة نقاط , نحن اليوم أمام حاضر أدبي يبنى على تعدّد الأفكار والمناحي الثقافية وهذا دليل على تنوع الوطن العربي وانقسامه ولكن لا يمكن أن نقف عند نقطة الإنقسام لكي لا نطبق كل الأفكار التي يمكن أن تعيد سبل التعاطي الثقافي مع المواطن العربي .
أول الصور التي يمكن الاعتماد عليها لنعيد القوة الثقافية , هي طريقة طرح الفكرة , لأن طريقة الطرح تكون دليلاً لما هو آتٍ , وطرح الفكرة هو من أول الخطوات التي يمكن أن تكون وسيلة جذب للفرد , فلذلك يجب أن تكون طريقة الطرح تعتمد على عدم السطحية أي عدم عرض المادة الثقافية بسطحيتها , بل يجب إظهار العمق الحقيقي للكتاب أو المسرحية أو القصيدة , لأن السطحية قد تظهر المعنى اللفظي للبحث الثقافي بأنهُ عبارة عن جمل عادية لا روح فيها كتبت للقراءة فقط وهذا سبب نفور الكثير من أفراد المجتمع عن بعض الكتب المهمة , ولذلك أيضاً قد تنتصر بعض الأفكار السطحية التي لا تملك معنى وروح أدبية على غيرها لأنها سهلة الفهم , النقطة الثانية للتعاطي الثقافي مع المجتمع هي عدم التقعير أي عرض الفكرة الأدبية بصورتها المعقدة , لأن الفكرة المعقدة للكتاب التي تعتمد على العمق النفسي والروحي وحتى الواقعي لن يستطيع القارئ العربي حديث الثقافة أن يدركها , فمثلاً إذا حاولت شرح فكرة ماذا يريد دوستويفسكي من رواية في قبوي أمام فئة من القراء الجدد لن يعرفوا مغزى البعد النفسي والروحي لهذه القصة لذلك يجب عدم طرح الفكرة بصورتها السطحية بتغيب الروح ويجب عدم طرح الفكرة كأنها مقعرة لا يصل فيها القارئ للمعنى ولا يدرك من خلال العمل ماذا يريد الكاتب .
مهما اختلفت رؤيا الكتاب العربي عبر الفترات الزمنية و المكانية فالأساس هو القضية , والتركيز على فكرة القضية أهم من فكرة وجود الحل , دون التركيز على قضايانا لا يمكن أن نتعب أنفسنا ونبحث عن حل لأن الحل الأول هو بالقضية , فلا يمكنني اليوم أن أطرح حلاً لثقافة لا تتبنّى قضية ولا يمكن أن أطرح فكرة نصٍّ لكاتب لا يكتب بروحٍ حقيقية يمكن أن تضيف الكثير للمجتمع .
