د. ماجدة صلاح: تداخل الأجناس في رواية “الإسكندريّة 2050″ لصبحي فحماوي

د. ماجدة صلاح
إن طبيعة العصر، وما فيه من ثورات معلوماتية، ووسائل اتصال متعددة ، والتطوّر السريع المتلاحق، كل تلك العوامل مجتمعة حفّزت الأدباء والكتّاب على التطوّر والخروج عن المتعارف المألوف، فتداخلت الأجناس الأدبيّة، وتفاعلت منتجة أنواعا أخرى، كالقصة القصيرة، والقصة القصيرة جداً أو الأقصوصة، وقصيدة النثر، والرواية، وغيرها. فهذه الأجناس أزالت الحدود المصطنعة، والتقنيات المحتكرة لكل نوع، فأصبحنا نرى أعمالا روائيّة” لا تزيل فقط الحواجز بين الأنواع الأدبيّة، بل تعمل أيضا على تفتيت النوع الأدبيّ من داخله، فهذه الأعمال تتمرد على القيم الجماليّة للنوع الروائيّ، وعلى التقنيات السّرديّة الروائيّة التقليديّة، وعلى الطرق التقليديّة في تصوير الشخصيّات، وتصوير الزمان والمكان، بل تفتت الحبكة والحكاية معا”([1])
ولئن تربع الشّعر على عرش تلك الأجناس لفترة ليست بالقصيرة، فإن الرواية بدأت تحتل مركزا قيادياً بين الأجناس الأخرى، وهذا ما لاحظه الناقد الفرنسي تادييه حين قال : فهذا الفن ” الذي كان يبدو في القرن التاسع عشر أقلّ أهميّة من الشعر والمسرح، لا يجلس هذا الفن(مكررة) الآن في الصف الأمامي فحسب، بل إن الرواية امتصت كل الأجناس الأدبيّة الأخرى”([2])، ولعل مردّ ذلك يرجع إلى المساحة المتاحة في تقنية السرد، واندماج عناصر البناء الفني للرواية مع التقنيات الفنيّة للأنواع الأدبيّة الأخرى، وامتصاصها لتلك الخصائص، وقد زخرت رواية “الإسكندرية 2050 ” بتقنيات أنواع أدبيّة مختلفة، وظّفها الروائي توظيفا جيدا، مما ألبسها حلّة زاهية زادتها جمالا وروعة.
إذ أن هذه الرواية مزيج بين أجناس متعددة، وتتضمن تقنيات مختلفة، والظاهر البيّن بروز مكوّنين اثنين، أو نوعين اعتمدت عليهما الرواية، وشكّلا بمزجهما حكاية جمعت بين الواقع والفنتازيا، وسيركز بحثي هذا على المكوّن الرئيس وهو اللغة التي تعددت روافدها، ومستوياتها اللغوية بين فصحى، وشعرية، وعلمية، ولهجة عاميّة.
تبدأ الرواية لحظة احتضار الشخصية الرئيسة ، المهندس الفلسطيني مشهور شاهر الشهري من سكّان مدينة عكا، وقد اتفق ابنه برهان مع شركة مخابرات خاصة على تسجيل كل ما يدور بخلد أبيه ساعة احتضاره، بعد أن عاد الوالد من غربته ليستقر عند ابنته سمر، فهذه الشركة قادرة على شفط كل ما يدور في عقل أبيه، إذ تبدأ الحكاية بسرد الأحداث التي مرّ بها مشهور من بداية التهجير حتى لحظاته الأخيرة، وما تخللها من أحداث. فتكون هذه الأحداث التي سجلتها شركة المخابرات الخاصة هي صلب رواية فحماوي.
ومن المعروف أن لكل جنس أدبيّ بنيته الثابتة التي يُبنى عليها، وبنيّة حركيّة، وفي الرواية الحديثة يعمد الروائي إلى الاستعانة بتقنيات أجناس أخرى خدمة لعمله، وقد استعار فحماوي من أجناس أخرى بعض التقنيات التي أسهمت في خلق جماليّة خاصة، ورؤية جديدة متميّزة لروايته، إذ نجد انزياحات وتداخلات فنيّة : كالتلاعب بالأنساق الزمنيّة وتداخلها، وتنوّع الضمائر، واللغة، وخلخلة وحدة الحدث، وهي في مجملها تقنيات استمدتها الرواية الحديثة من أنواع أدبيّة مختلفة. ومن بين هذه التقنيات؛ اللغة التي شكّلت لوحة من الفسيفساء المختلفة الألوان بتعدديتها اللغويّة.
اللغـــــة:
تُعدّ اللغة صورة للفكر وأداة التعبير عنه، ووسيلة للتصوير، وأساس العمل الأدبيّ، والأدب ليس ” سوى لغة، أي نظام العلامات، ووجوده ليس في رسالته، بل في هذا النظام”([3]). فهي العنصر الأساسي في الإبداع الفني بصفة عامة، والرواية على وجه الخصوص، ويرى باختين أن الرواية ظاهرة لغويّة قبل أي اعتبار، من خلال تعدديتها اللغويّة، فقد تشكّلت الرواية ونمت بخلاف الأجناس الأدبيّة الأخرى من التعدديّة اللغوية الداخليّة والخارجيّة([4]). إن اللغة هي العنصر الرئيس في التشكيل الفنيّ للرواية، وبها تتجسّد هويتها فتنتمي إلى اللغة التي تكتب بها، بغض النظر عن الحكاية، وانتمائها إلى هذا المكان، أو إلى ذلك المجتمع([5]). وقد أجاد الكاتب استخدام اللغة، فكانت في مواضع عدة لغة مكثفة شعريّة، تصوّر وترسم بريشة الكلمات أجمل المشاهد، وفي مواضع أخرى نجدها لغة علمية، وفي ثالثة لهجة عاميّة حسب ما يتطلبه المشهد، فجاءت لغته متنوّعة.
التعدد اللغــــــــوي:
ونقصد به تعدد اللهجات، وتنوّع اللغات وهو الركيزة الأولى للرواية متعددة الأصوات، إذ” لا توجد في الرواية لغة واحدة، بل لغات تقترن فيما بينها في وحدة أسلوبيّة خالصة، وليس في وحدة لغويّة إطلاقا”. تعج الرواية بلهجات ولغات مختلفة، وأصوات متعددة، نلاحظ ذلك في مواضع عديدة من الرواية، وفي الحوارات المنبثة بين ثناياها.
يزخر الملفوظ السردي للرواية بعدة لغات، فإلى جانب اللغة الفصحى الأساسيّة، تظهر مجموعة من الأجناس الأدبيّة: كاللغة الشعريّة، والحكايات الشعبيّة، والأشعار، والأمثال والحكم، واللغة الأسطورية، واللغة الدينية، ولغة التاريخ، والصحافة، والسياسة، وأحاديث عامة شعبية، ولغة الجنس، واللغة الأجنبيّة ، ومن تمازج واختلاط هذه اللغات المتراكمة، والأجناس المتعددة، والنصوص الغائبة، بنى الروائي عوالم روايته، بتنسيق جميل، وإخراج متقن وتناغم وانسجام ألّف بين تيماتها، مما يشي بتعدد مراجع كتابة الروائي فحماوي وقدرته على تطويعها.
اللغة الشعريّة:
قبل الشروع في بيان شعرية اللغة في هذه الرواية، تجدر الإشارة إلى مفهوم اللغة الشعريّة، فقد دار جدل واسع حول مفهومها، إذ يرى جون كوهن أنها” كل ما ليس شائعا ولا عاديا ولا مصوغا في قوالب مستهلكة”، فهي تعني عنده الانزياح.
إن استخدام الأديب لعدة وسائل : الألفاظ، والتراكيب، والصور، والخيال والعاطفة، تشكّل في تضافرها نسيجا متكاملا متميّزا يسمى الأسلوب” وهو لغة الشعر”
إن القارئ لهذه الرواية يحسّ بمدى حرص الروائي على اللعب بالكلمات، وانتقائه لها، وشغفه بما تحدثه من موسيقى، وولعه بأنسنة الجمادات والتجسيد،يظهر ذلك جليّا عند وصفه لمشاهد طبيعية في كثير من الأحيان، من خلال الاستعارات والانزياحات، إذ نقرأ قول الراوي وهو يصف الإسكندرية بكونها بجعة بيضاء تطفو فوق أزرق، وقد سكنت شغاف قلبه: ” يا إلهي ما أبهاك أيتها البجعة البيضاء الجميلة، الطافية فوق بحر أزرق، أيتها الجنّة المضطجعة على رمال شاطئ من ذهب، ما أشهاك يا جميلة الجميلات، وقد ضمّخك عطر البرتقال، حتى لقد تُيّمتْ بحبك النّسمات، ما أنقاك وموج البحر يغسل قدميك، …..وصدرك العامر موج البحر، يعلو ويهبط، وصفحات أمواجك المتصاعدة هبوطا، تشكّل تضاريس أجساد نساء الإسكندريّة…..” ، فها هو مشهور يبوح بما اعتمر قلبه من حبه للإسكندرية التي لم تغب عنه، وإن باعدت الأيام بينهما، فعشقه لها كعشق أنطونيو لكليوباترا، يهمس لها كعاشق مدنف شاقه البُعد عن حبيبته” وأنا والله لم أجفُ، ولكن الزمان جفا! تنقّلتُ في ربوع الكرة الأرضيّة( لم تبقَ زاوية بجسم جميلة إلا ومرّتْ فوقها عرباتي)”
فهو يخاطب الإسكندريّة، ويناجيها كمن يناجي حبيبته التي فارقته زمنا، وقد امتلأ شوقا لرؤيتها. بكلمات رقيقة متناغمة، يرسم لها صورة ساحرة خلاّبة عبر الاستعارات، والانزياحات، مستعيرا وسائل الشعر، فالرواية ” تنافس الشعر مستخدمة وسائله عندما تنافس بنيتها بنية البيت الشعري، عندما تمتلئ بالاستعارة، أو عندما تلعب بموسيقا الكلمات”.
ونجد شعريّة الكلمات في قوله:” وبعكس مآذن النخيل المنطلقة باتجاه السماء، تهبط الشمس باحثة لها عن عش تنام فيه بين حقول الذرة…” ، إنها صورة ساحرة لغروب الشمس ترسمها الكلمات، وكأنها طائر أتعبه التحليق في الفضاء، يبحث عن مأوى لينام فيه ويرتاح. فالمشهد يشع حركية وينبض بالحياة، وكأننا أمام لوحة تشكيليّة .
وقوله:”وأمّا المدينة المدللة، المضطجعة شبه عارية بكل أبعادها على رمال الشاطئ، وكلها شوق لأن تغمر وجهك في ثناياها، وتهبط فيها، وتشم رائحة جسدها المنساب شرقا، والهارب غربا كجناحي طائر رخ كبير يصل الشرق بالغرب”.
العامية وأشكالها التعبيرية:
للهجة العاميّة حضور واضح في الرواية، وإن حاول الروائي (فصحنتها) والارتقاء بها إلى الفصحى، نجد حضورها قد احتل مساحة لا بأس بها، وبين الفصحى وما يقاربها من العاميّة نجد الكاتب يدسّ كلمات عاميّة بعضها سوقي، يجري على ألسنة العامة، ومن خلال الحوارات المقتضبة التي مزجت بينهما. وتأخذ العامية أشكالا متعددة، منها: العبارات المسكوكة، والأغاني الشعبية، والأمثال الشعبيّة
الأغاني الشعبية:
أحد الروافد التي وظّفها الكاتب في الرواية في سياقات مختلفة. ومن ألأغاني الشعبيّة أغنية جفارا التي غنّاها البصير أمام المجهور المحتشد لسماعه:
” جيفارا مات . جيفارا مات!
آخر خبر في الراديوهات
وفي الكنايس والشوارع والبارات!
جيفارا مات……
ولم يكمل فنان الشعب أغنيته إذ تقدم ثلة من حرس الشرف، آسف أقصد من رجال الأمن فاقتادوا الرجل هو ورجال فرقته وشاعرهم معهم إلى جهة غير معلومة”.
ــــ وأغنية ” بين شطين ومية، عشقتكم عيني، يا غاليين عليّ، يا أهل اسكندريّة…”(
ـــ ” هيلا يا واسع، هيلا هيلا هيلا، مركبك راجع…”.
” إسكندرية المحروسة…الصيادين وسمك مرسى
منين ما تمشي تصادف ناس..
شيلّاه يا مرسي يابو العباس″.
وهي أغاني يرددها الصيّادون،وهم يلقون بشباكهم في بحر الإسكندريّة.
وقد أغنت الرواية بما تحمله من دلالات، كحب البحر، والتفاؤل، ومعتقداتهم الدينية والتبرّك بأماكن الصالحين.
ـــ أغنية” كل اللي حبّ انطحن، وأنا اللي وحدي بكيت”.
ومن الأغاني المتداولة في الأفراح والسهرات:
ـــ البنت بيضا بيضا بيضا، البنت بيضا وأنا أعمل إيه”.
ــ ” غاب القمر يا ابن عامّي، يالله راواحني..”
ومن الأغاني الوطنية التي تُذكر ببناء السد العالي، وفترة حكم الرئيس جمال عبد الناصر: ـــ قلنا حنبني وادي إحنا بنينا السد العالي…”.
الحكايات الشعبيّة التراثيّة:
لم تخلُ الرواية من الحكايات الشعبيّة التراثيّة التي تداولتها الأجيال عبر العصور ، كحكاية أبو قير وأبو صير، يقول الراوي: “وتقترب من شاطئ أبو قير، الرجل الصبّاغ الحسود الحقود الكسول، والذي ليس له صاحب، سوى ذلك الرجل الطيّب أبو صير، والذي صاحبه في رحلة الغربة….فساعده الأخير…”( إذ غدر أبو قير بصاحبه وقتله.وهي من الحكايات الشعبيّة المشهورة عند أهل الإسكندرية. إنها حكاية الخير والشر، الكرم والوفاء مقابل الغدر، نسي الناس الإنسان الكريم، وأبقوا على ذكر الغادر، إنه اختلال في موازين الحق والباطل، وكأن الحياة لم تعد صالحة لأصحاب النفوس النقيّة.
إن استعانة الروائي بالحكايات الشعبيّة لم يكن من فراغ، أو إقحاما في الرواية، ففي حكاية أبو قير المأخوذة من رواية ألف ليلة وليلة، أراد الكاتب من سرد حكايته إظهار أن النّاس ينسون الصالح وما يقدّمه ويتذكّرون المسيء.
حكاية حوريّة البحر: “يقولون إن الحورية تخرج أحيانا من البحر، وتصعد عمارة قريبة”.
العبارات المسكوكة:
يقصد بها تلك العبارات التراثيّة المأثورة، كالأمثال، والحكم، فهي بنيات لغويّة ثابتة، وقوالب جاهزة، يؤتى بها أحيانا لتأكيد شيء، أو دعم مقولة ما أو لتشابه موقف ومناسبة المثل له. وقد وردت في أكثر من موضع، منها :
*خيرا تفعل، شرّا تلقى..
*” من يمسك سمكا في بحر”
*” إذا لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب” .
*”ما هكذا تورد الإبل”.
*” مفيش على أسنان الكُرّ شي مرّ”.
*”يلتم المتعوس على خايب الرجا”.
*” اللي يحلف يبقى حلّوف”.
* “الحكي إلك يا جارة”.
* “اصرف ما في الجيب…”.
*”الكبر عبر” .
شكّلت الأمثال رافدا آخر من الروافد التي بنيت عليها الرواية، وقد شملت: الأمثال العربيّة الفصيحة، والأمثال العاميّة الشعبيّة ، إذ استطاع فحماوي السيطرة على لغة النّص، فنرى تنوّعا وتعددا لغويا يتناسب والتنوّع الاجتماعي، والثقافي، واللهجي في خطاب الشخصيّات المتنوّعة بدورها فكرا ولغة وثقافة.
أدخل الأمثال الفصحى في الحوارات التي تجري بين المثقفين والمتعلمين، كحوار مشهور مع ابنه، فالمثل القائل: ” إن لم تكن ذئبا، أكلتك الذئاب” يصوّر قانون الغاب الذي كان يسري على هذا العالم، من قتل وتدمير، وقد استبدلت هذه المقولة حسب ــ برهان ــ ابن مشهور بعبارة” الإنسان مفكر مبدع جميل، وفنان محب، ورفيق بإخوانه، الإنسان والحيوان، والنبات”
هذا ما يبدو عليه العالم في نظر الكاتب زمن الحكاية عام 2050 ، عالم يسوده الحب والتعاون والرحمة.
وقد جاءت الأمثال في المواقف المشابهة للمثل كنوع من التوضيح أو لتدعيم الكلام وتبريره. وقد وردت غالبية هذه الأمثال الشعبيّة منها على ألسنة العامة من شخصيات الرواية.
اللهجة العاميّة:
جرت اللهجة العاميّة والشعبيّة على ألسنة الشخصيات البسيطة ، وهي لغة الشارع المتداولة بين العامة، والطبقة الكادحة، كالحوار الذي دار بين مشهور وأبو جرجس، أو بينه وبين نوسه، والحوار الذي دار بين ركّاب القطار:
“وتراقب الشابين الجالسين على الرف، وهما يدلدلان أرجلهما فوق رؤوس ركاب المقطورة، فيصيح بهم رجل قاعد تحت رحمة أحذيتهم الثقيلة:
*مش تحترموا الناس القاعدين تحت جزمكم الثقيلة!
*لو وقعت جزمة على رأس طفلي، حيموت. ويقول آخر:
*دا والله عيب كده!.
*”انتوا النهاردة مستنيرين أوي كده ليه؟”.
*” ده يا راجل أكل ضرب، ما اكلوش حرامي في السوق” .
ــــ كلمات وعبارات عاميّة دائرة على ألسنة العامة:
*ملطوش نص لطشة”
*” إياكش تولع″
هناك الكثير من العبارات، والكلمات الشعبيّة في ثنايا الرواية، لكن المقام لا يتسع لسردها جميعا.
لغة القرآن الكريم:
من الروافد التي أغنت لغة الرواية، وقد نوّع في استخدام النّص القرآني ومفرداته، فجاء تارة اقتباسا واستشهادا، واستحضاراً للوازع الديني على لسان بعض الشخصيات، وجاء تارة أخرى مستثمرا لغته وبلاغته، لخلق دلالات جديدة تتعلّق بالواقع الراهن السياسي، والاجتماعي، والأخلاقي. فمن الاقتباس قوله تعالى:” فويل للمصلين، الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم يراؤون ..”.اقتبس الروائي ثلاث آيات من سورة الماعون، حيث استشهد مشهور بهذه الآيات حين رأى المسجد وقد اكتظ بالمصلين، ومن بينهم من عُرف بالرذيلة ومصاحبة فتيات الليل، والعمل في بيوت دعارة، متعجبا كيف يصلون ويأتمّون وراء الإمام ويرفعون أصوات دعائهم لله، وهم أبعد ما يكونون عنه، إنه النفاق والرياء الذي يتوشحه كثير من النّاس.
وجاء بالآية الكريمة ” لا إكراه في الدين، قد تبيّن الرّشد من الغيّ” تنصيصا في الحوار الذي دار بين مشهور وتيتي ابنة أم جرجس المسيحية، حول زواج الرجل والمرأة من ديانتين مختلفتين،
أمّا قوله تعالى:” يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم”.فقد استشهد بهاتين الآيتين أثناء حديثه عن موت عبد الناصر بينما لم يكن في حسابه البنكي شيءٌ، فمشكلات الدنيا تنتهي بالموت، أما أمراض القلب فتبدأ بعد الموت إلى أبد الآبدين. ونعم الدنيا زائلة، ولا يبقى إلا العمل الصالح، فالمناصب والأموال والعز كلها تزول عن الإنسان بحضور الموت.
في حين وردت بعض ألفاظ القرآن الكريم في ثنايا السرد، مستعينا بها لبلاغتها وفصاحتها.جاءت العبارة الآتية وفيها من لغة القرآن الكريم: ” الأرض يومئذ لله، يورثها لمن يشاء من عباده الصالحين”، تضمنت قوله تعالى من (سورة الأعراف، الآية 128):. ونجد الاستعانة بلغة القرآن الكريم في قول الراوي:” لا لست في ضاحية مقديشو الخاوية على عروشها”. وهي تناص مع قوله تعالى( من سورة البقرة، الآية 159):” أو كالذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها”، فهذه الألفاظ القرآنية رسمت بكل بلاغة وبيان حال ضاحية مقديشو وما حلّ بها من خراب ودمار،اختزل الروائي بهذه الكلمات القليلة آلاف الكلمات التي تصوّر المشهد.
ومن الأحاديث النبويّة، قول الرسول ـــ صلّى الله عليه وسلّم: “من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه”([6]) .
لغة الصحافة:
اشتملت الرواية كما أسلفنا على مزيج من الأشكال الخطابيّة، منها أيضا غير ما سبق ذكره، اللغة الفلسفيّة، والعلميّة، والأشعار، وكتابات الفلاسفة والمفكرين والأدباء،، وهي تتضافر فيما بينها، مشكّلة نسقا منسجما([7]).
يلجأ الكاتب للغة الصحافة حين يريد سرد بعض الأحداث التاريخية التي مرت بمصر وبعض الدول في زمن الماضي(الاسترجاع)، إذ تظهر هذه المعلومات على صفحات الجرائد التي يقرؤها بعض شخصيات الرواية. بعضها تأتي لتمطيط الزمن، وفي بعضها الآخر إشارة إلى أحداث كان لها تأثير كبير في تغيير مجرى مصر، كخبر تحوّل الأزهر إلى جامعة.
ــ “ناصر يفتتح مبنى الأهرام، أحدث تكنولوجيا صحيفة في العالم”.
ــ “جريدة الأهرام تصدر أول عدد بكامل الألوان الطبيعية ..هيكل يجري اجتماعا إداريا مع مدراء الأهرام بالهاتف، بينما هو منفرد داخل مكتبه” ([8]).
ــ “اكتمال كليات جامعة الأزهر الشريف بتوجيهات السيد الرئيس″.
ـــ” الأزهر يتحول من مجرد مسجد إلى منارة جامعة للعلم”([9]).
ـ أقوال الكتّاب والفلاسفة:
إن قدرة الروائي على تسخير هذه الأجناس الأدبيّة وامتزاجها في بناء النص، وهذا التنوّع الذي أفرز لغة متناسقة، ملّونة بأجمل الألوان، تدل على ثقافته الواسعة، وقدرته على الإمساك بالكلمات والسيطرة عليها. وقد استعان بأقوال بعض الصحابة ــــ رضوان الله عليهم ـــ وبعض الفلاسفة والمفكرين العرب والعالميين خدمة للنص، ومن هؤلاء قول عمر بن الخطاب ـــ رضي الله عنه ــــ ” متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا”([10]) في معرض حديث مشهور مع ابنه عن المزرعة البشرية وحقوق ملكية الإنسان الأخضر المصنّع.
ومن أقوال جان بول سارتر:” إذا أردت عمل علاقة غرامية، فعليك أن تبتعد عن أقاربك وجيرانك”([11]). ونجده قد استعار قول جبران: ” هل تحممت بعطر، وتنشفت بنور”([12])، متمنيا أن يكون المستقبل أنقى وأجمل.
الأشعار: ورد في النص تناصات من الأشعار العربيّة القديمة والحديثة، كقوله:
” الطبيب المداويا”([13])، وهو جزء من شطر بيت لقيس بن الملوح يقول فيه:
يقولون ليلى في العراق مريضة يا ليتني كنت الطبيب المداويا
ومن شعر نزار قباني قوله: “ما أحلى الرجوع إليه”([14]) .
– جامعة الزاوية – ليبيا
[1] .أسئلة السرد الجديد، عبد الرحيم الكردي، ” السرد الروائي وتداخل الأنواع″، أبحاث مؤتمر أدباء مصر، ص280.
[2] . الرواية في القرن العشرين، جان إيف تادييه، تر: محمد البقاعي، مكتبة الأسرة للكتاب، القاهرة، 2006، ص159.
[3] . بلاغة الخطاب وعلم النّص، صلاح فضل، عالم المعرفة 164 ، الكويت، 1992، ص48.
[4] . ينظر: الأثر الإديولوحي في النّص الروائي، زياد العوف، النوري للطباعة والنشر، دمشق، ط1، 1993، ص168.
[5] . في مفاهيم النقد وحركة الثقافة العربيّة، يمنى العيد، دار الفارابي، بيروت، ط1، 2005، ص227.
[6] . المصدر السابق، ص188.
[7] .ينظر، الخطاب الروائي، ميخائيل باختين، تر: محمد برادة، دار الفكر، بيروت، 1987، ص38.
[8] . الإسكندريّة 2050، ص179ـ 180.
[9] . المصدر السابق، ص163.
[10] . الإسكندريّة 2050، ص 156.
[11] . نفسه، 168.
[12] . المصدر السابق، ص144.
[13] . الرواية، ص95.
[14] . الإسكندرية، ص150.

قد يعجبك ايضا