فادي السمردلي يكتب:الضمان الاجتماعي بين إدارة العجز وإعادة صياغة الأولويات الوطنية
بقلم فادي زواد السمردلي. ….
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
*#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال*
عند الحديث عن الضمان الاجتماعي في الأردن، فإننا لا نتناول مجرد مؤسسة خدمية أو صندوق ادخاري، بل أحد أهم أعمدة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في الدولة فالمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي تمثل اليوم ركيزة أساسية في شبكة الأمان الاجتماعي، وتمس بشكل مباشر حياة ملايين الأردنيين بين مشترك ومتقاعد ومستفيد غير أن التحديات التي تواجهها لم تعد مالية بحتة، بل أصبحت مرتبطة بمسار الاقتصاد الوطني ككل، وبطبيعة السياسات العامة التي تحدد شكل سوق العمل ومستقبل النمو.
خلال السنوات الأخيرة، تصاعد النقاش حول الاستدامة المالية للنظام، خاصة في ظل ارتفاع أعداد المتقاعدين، وتزايد الالتزامات طويلة الأمد، مقابل تباطؤ نمو الاشتراكات نتيجة ضعف التوسع في فرص العمل المنظمة قالأردن يعاني من معدلات بطالة مرتفعة، خصوصًا بين الشباب والنساء، كما أن جزءًا غير قليل من النشاط الاقتصادي يقع خارج الإطار الرسمي، مما يعني غياب شريحة واسعة من العاملين عن مظلة الاشتراك فهذه المعادلة تضع ضغطًا مباشرًا على التوازن بين الإيرادات والمصروفات.
إدارة العجز – إن وجد أو إن كان متوقعًا مستقبلاً – غالبًا ما تُطرح من خلال أدوات تقليدية تعديل نسب الاشتراك، إعادة النظر في شروط التقاعد المبكر، أو تحسين العوائد الاستثمارية وهذه الإجراءات، رغم ضرورتها أحيانًا، تبقى ذات طابع فني قصير الأجل إذا لم تُدرج ضمن رؤية اقتصادية أشمل. فالمشكلة في جوهرها ليست فقط في معادلة الاشتراكات والمنافع، بل في ضيق القاعدة الإنتاجية التي تغذي النظام.
الرهان على الذراع الاستثماري للضمان يشكل عنصر قوة مهمًا في الحالة الأردنية، إذ تمتلك المؤسسة محفظة استثمارية مؤثرة في قطاعات حيوية ولكن الاستثمار، بطبيعته، يتأثر بدورات الاقتصاد المحلي والإقليمي، ولا يمكن تحميله وحده مسؤولية سد أي فجوات هيكلية محتملة فالعوائد الاستثمارية تعزز الاستدامة، لكنها لا تعوض غياب النمو الحقيقي في سوق العمل، ولا تعالج اختلالات هيكل الاقتصاد.
هنا يبرز البعد الاستراتيجي للعنوان هل نكتفي بإدارة العجز عبر تعديلات إجرائية، أم نعيد صياغة الأولويات الوطنية بحيث يصبح الضمان الاجتماعي نتيجة طبيعية لاقتصاد منتج ومتوسع؟ فإعادة ترتيب الأولويات تعني التركيز على تحفيز القطاعات القادرة على خلق وظائف مستقرة، وتسهيل انتقال العمالة من القطاع غير المنظم إلى المنظم، وتعزيز مشاركة المرأة اقتصاديًا فكل وظيفة رسمية جديدة تمثل اشتراكًا إضافيًا، وتخفف العبىء المستقبلي على النظام.
كما أن الإصلاح يرتبط بالحوكمة والشفافية فثقة الأردنيين بنظام الضمان هي رأس المال الحقيقي له. كلما زادت وضوحية البيانات، وسهولة الوصول إلى المعلومات، وتعززت آليات الرقابة والمساءلة، ارتفعت درجة الاطمئنان المجتمعي والاطمئنان بدوره يسهل تقبل أي إصلاحات ضرورية، حتى لو كانت صعبة على المدى القصير.
لا يمكن أيضًا إغفال البعد الديموغرافي فالأردن مجتمع فتي نسبيًا، لكن هذا الامتياز الديموغرافي لن يدوم إلى الأبد فالاستثمار في الشباب اليوم، عبر التعليم النوعي وربط المهارات بحاجات السوق، ليس فقط سياسة تنموية، بل سياسة ضمان اجتماعي غير مباشرة فالمشترك القادر على العمل المنتج هو حجر الأساس في أي نظام تقاعدي قائم على التضامن بين الأجيال.
إعادة صياغة الأولويات الوطنية تعني كذلك النظر إلى الضمان الاجتماعي كأداة استقرار اقتصادي فالمتقاعد الذي يحصل على دخل ثابت يظل مستهلكًا في السوق المحلي، مما يعزز الطلب الكلي ويدعم النشاط الاقتصادي وبهذا المعنى، فإن قوة نظام الضمان تنعكس على الدورة الاقتصادية بأكملها، وليس فقط على الأفراد المستفيدين منه.
التحدي الحقيقي أمام الأردن ليس في وجود مؤسسة ضمان قوية فحسب، بل في مواءمة سياسات الاقتصاد الكلي مع متطلبات استدامتها فإذا استمرت معدلات البطالة المرتفعة، وضعف النمو، وضيق القاعدة الضريبية، فإن أي نظام تأميني سيبقى تحت ضغط أما إذا تحققت قفزة نوعية في الإنتاجية وجذب الاستثمار وخلق الوظائف، فإن الاستدامة ستصبح نتيجة تلقائية لا عبئًا متجددًا.
في النهاية، الضمان الاجتماعي الأردني ليس مجرد أرقام في تقارير سنوية، بل تعبير عن عقد اجتماعي يقوم على التضامن والعدالة بين الأجيال فإدارة العجز قد توفر حلولًا مرحلية، لكنها لا تكفي وحدها فالخيار الاستراتيجي الأعمق هو إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية بحيث يصبح الضمان انعكاسًا لقوة الاقتصاد، لا ضحية لضعفه. عندها فقط يمكن الانتقال من مرحلة القلق الدوري إلى مرحلة الثقة المستدامة.
الكاتب من الأردن