صناعة الكرامة… كيف تبني الجمهورية الإسلامية الإيرانية نموذج العزة السياسية؟
رسول حسين أبو السبح …..
ليست الكرامة السياسية شعارًا يُرفع في الخطابات، ولا ادعاءً إعلاميًا يُسوّق في الأزمات، بل هي بناء تراكمي طويل، يتأسس على وعيٍ حضاري عميق، وإرادةٍ صلبة، ونموذجٍ قيادي قادر على تحويل القيم إلى واقع، ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة التجربة الإيرانية بوصفها محاولة واعية لصناعة “الكرامة” كقيمة سياسية، لا كمجرد موقف عابر في مواجهة الضغوط.
تسقط الحضارات، وتضمحل كينونتها، حين تفرغ من روحها، حين تفقد المعنى الذي يمنحها القدرة على الاستمرار. فليست الهزيمة دائمًا في انكسار الجيوش، بل كثيرًا ما تبدأ في انكسار الإرادة، وفي تآكل الهيبة، وفي تراجع الثقة بالذات، وعلى هذا الأساس، يمكن فهم الصراع المعاصر لا بوصفه صراعًا على الموارد أو التكنولوجيا فحسب، بل باعتباره اشتباكًا عميقًا بين إرادات متقابلة، ورؤى حضارية متباينة.
في هذا السياق، تطرح الجمهورية الإسلامية الإيرانية نفسها كنموذجٍ يسعى إلى إعادة تعريف معادلة القوة، فالقوة، وفق هذا التصور، لا تختزل في التفوق العسكري أو الاقتصادي، بل تمتد لتشمل البعد المعنوي، الإيمان بالقضية، والثقة بالذات، والقدرة على الصمود في وجه الضغوط المركبة.
لقد واجهت إيران، منذ تأسيس نظامها السياسي الحديث، سلسلة من التحديات الحادة، عزلة دولية، عقوبات اقتصادية، تهديدات عسكرية، وحروب مباشرة وغير مباشرة، ومع ذلك، لم يكن الرهان الأساسي على مراكمة الأدوات المادية فقط، بل على بناء “الإنسان” القادر على تحمّل كلفة المواجهة، وهنا يبرز دور القيادة التي عملت على ترسيخ خطابٍ يقوم على الثقة، والاستقلال، ورفض التبعية، وربط ذلك ببعدٍ عقائدي يمنح الصراع بعدًا وجوديًا لا تكتيكيًا فحسب.
إن ما يُسمى في الأدبيات السياسية بـ”الاستكبار العالمي” شكّل، في الخطاب الإيراني، إطارًا تفسيرياً للصراع، يُعيد تعريف العلاقة مع القوى الكبرى بوصفها علاقة مقاومة لا مساومة، وبهذا المعنى، لم يكن الصراع مجرد تنافس مصالح، بل معركة على الإرادة والهوية، وقد أسهم هذا التأطير في خلق حالة تعبئة نفسية واجتماعية داخل المجتمع، عززت من قدرته على الصمود، حتى في أحلك الظروف.
ومن أبرز ملامح هذه التجربة، أن القيادة لم تكتفِ بإدارة الأزمات، بل سعت إلى تحويلها إلى أدوات بناء، فالعقوبات، مثلًا، لم تُقدَّم بوصفها نهاية الطريق، بل كفرصة لتعزيز الاعتماد على الذات، والتهديدات العسكرية لم تُترجم إلى حالة خوف عام، بل إلى خطاب تعبوي يُعلي من شأن التضحية والصمود.
هنا تتجلى فكرة “صناعة الكرامة” بوصفها عملية واعية، إذ تُزرع في نفوس الأفراد قناعة بأنهم جزء من مشروع أكبر، وأن صمودهم ليس مجرد رد فعل، بل فعل تأسيسي في معركة طويلة، وهذا ما يفسر قدرة المجتمع على تحمّل الضغوط، دون انهيار داخلي شامل، رغم قسوة التحديات.
في المقابل، يقدم هذا النموذج نقدًا ضمنيًا للنموذج الغربي للقوة، الذي يرتكز، في كثير من تجلياته، على الهيمنة المادية والتفوق التقني، فالتجربة الإيرانية، كما يراها أنصارها، تسعى إلى القول إن امتلاك “الهياكل المعدنية والتقنية” لا يكفي لضمان التفوق، إذا لم تُدعَم بروحٍ قادرة على الاستمرار والمواجهة، ومن هنا، يُطرح الصراع بوصفه صراعًا بين “روحٍ” و “أدوات”، بين إرادةٍ تسعى إلى فرض ذاتها، وأخرى ترفض الخضوع.
غير أن قراءة هذه التجربة لا تكتمل دون الإشارة إلى أن هذا النموذج، رغم ما يقدمه من عناصر قوة داخلية، يظل محل جدل واسع في الساحة الدولية، سواء في ما يتعلق بكلفته الاقتصادية، أو بطبيعة علاقاته الإقليمية، أو بمدى قابلية تعميمه في سياقات مختلفة، ومع ذلك، فإن ما لا يمكن إنكاره هو أن إيران نجحت في ترسيخ صورة لنفسها بوصفها دولة تملك قرارها، وقادرة على الصمود في وجه الضغوط.
في المحصلة، تبدو “صناعة الكرامة” في التجربة الإيرانية مشروعًا مركبًا، يجمع بين العقيدة والسياسة، وبين الخطاب والممارسة، وبين الرمز والواقع، وهي، قبل كل شيء، محاولة لإعادة الاعتبار لفكرة أن القوة الحقيقية تبدأ من الداخل، من الإنسان، ومن إيمانه بذاته، ومن استعداده للدفاع عن رؤيته للعالم.
وفي عالمٍ تتغير فيه موازين القوى بسرعة، يبقى السؤال العالمي مفتوحًا، هل يمكن لهذا النموذج أن يستمر في إنتاج ذاته، وأن يحافظ على توازنه بين الكرامة والكلفة؟ أم أن تحديات المستقبل ستفرض عليه إعادة تعريف أدواته دون أن يفقد روحه؟
الكاتب من العراق