قرفصاء
يطل علينا شهر محرم، فيصبح هواؤنا العربي مثقلاً بالتوتر وتمتلئ شوارعنا بسيارت الشرطة. اذا أخذنا الخليج العربي مثالاً نجد أنه في السابق كانت الأيام العشرة الأولى من شهر محرم تمر بهدوء، الشوارع هادئة والمتعبدون هادئون، منضوون في الحسينيات يمارسون العبادة والطقوس بسلام، متشاركون والسنة في الواقع في المجالس الحسينية.
لكن المتاعب لا تتركنا ولا نتركها، وكيف نفعل وهي مزروعة في نفوسنا ومتجذرة في كل أيديولوجية نؤمن ونعمل بها؟ سقطت الهويات العربية (جذرية أو مقترضة من آخرين) الواحدة تلو الأخرى، فلا نحن قوميون ولا وطنيون، لا نحن اشتراكيون ولا ليبراليون، لا نحن حكوميون ولا ثوار. سقطت القضايا العربية كذلك من ضمائرنا وجلسنا القرفصاء نشهد القهر الفلسطيني، التطهير العرقي السوري، الابادة اليمنية، الاستبداد المصري، وغيرها الكثير، كلها ما عادت قضايا تشغلنا، فقد تخلينا وتخلى العالم عنا، وأصبحت لقمة العيش والسقف الآمن والقرفصاء في الخلاء منتهى أمالنا.
ولأنه لا بد من هوية، استبدت الآن الهوية الدينية. أصبح الناس يعرفون أنفسهم بطوائفهم قبل أوطانهم، فانتحت الطائفة بالنفس منحى قصياً، حتى أصبحت هي الذات والذات هي، مما حول أي نقد ديني صغر أو اشتد الى نقد شخصي حارق، الى إهانة ذاتية، بالنسبة للمستمع. وهكذا امتلأت شوارعنا بأضواء زرقاء وصفراء تدور وتلتف بعجالة مصحوبة بعويل ممتد رفيع يخترق الأذن والقلب. نستمع لصافرات سيارات الشرطة في محرم فنتحرى زمناً كانت الشوارع فيه تصبح أهدأ في هذه الأيام الإسلامية المقدسة كما كانت النفوس فيه أنقى وأكثر قبولاً للآخر، ويرتفع التساؤل، هل يجب أن يصطحب التدين والتعبد كل هذا الصخب البوليسي؟ منذ متى أصبحت العبادة تحتاج الى حماية، وفي أي زمن أصبحت الأيام الإسلامية المقدسة عند أي طائفة معلمة بسيارات الشرطة وعويلها الذي لا ينتهي؟
هكذا نحن في عالمنا العربي الإسلامي، نتحمس لهوية فنحتاج لقوات أمن تسيطر على حماسنا. هو وضع غاية في الكوميدية في الواقع ولكنه غاية في التعبيرية كذلك. أن تنتشر الشرطة وقوات الأمن في مواقيت العبادة هو وضع ازدواجي متناقض، كأنك تنظر لصورتي لوريل وهاردي الكوميديين اللذين اعتمدا تناقض حجميهما كمصدر لاستجلاب الضحك، وأن نحتاج لهذه القوات هو وضع تعبيري خالص عن طريقة العبادة العربية الإسلامية، فلا أحد حراً في عبادته لأن أحداً آخر يمتلك الحق ومستعد للقتل من أجله، المعضلة أن للأحد الأول الاعتقاد ذاته في ملكية الحق، وما بين الآحاد تضيّع أيامنا وأعمارنا.
هي صورة متناقضة مضحكة حزينة، نعم، لكن التناقض هو حياتنا، العنف هو حياتنا، الخوف هو حياتنا. نحن نحب تحت الرقابة، نتكلم تحت الرقابة، ونتعبد تحت صفير السيارات المخيفة. المهم أن العبادة البوليسية هذه التي بدأت في الخليج انتشرت اليوم وامتدت على اتساع ساحله، ثم انفجرت وتشرذمت في بقية البقع العربية الاسلامية، وها هي مصر، المحدودة جداً في أعدادها من الشيعة، تعاني من الطائفية، وكأن أرض الكنانة غارت من جيرانها الخليجيين، فأرادت نصيباً من الطائفية.
فهل من وضع كوميدي أكثر من هذا؟ هل من وضع تراجيدي أكثر من هذا؟
