يونس لهديدي: الهويّات المتشظية في رواية “نوستالجيا الحب والدمار” للروائي المغربي السعيد الخيز

يونس لهديدي
عن دار كيان للنشر والتوزيع المصرية، وفي طبعة أنيقة ، صدرت للروائي المغربي السعيد الخيز ، مؤخراً ، رواية هي الثانية في باكورة أعماله ، بعد روايته الأولى ‘ سجين الهوامش ‘ والتي اختيرت من قبل دار النشر الآنفة الذكر ، كرواية ممثلة لها في منافسات جائزة البوكر برسم سنة 2016 م.
‘ نوستالجيا الحب والدمار’ ، هذا هو العنوان الذي ارتأى أن يختاره الروائي الشاب عنوانا لروايته الجديدة ، والتي سوّد بين دفتيها ما يربو عن 330 صفحة عن الأرض والوطن والحب …وأشياء أخرى.
النوستالجيا أو الحنين إلى زمن سابق ، ما هو في الحقيقة إلا انعكاس طبيعي لعقل جمعي يُعتبر الكاتب جزئا لا يتجزأ من ثقافته ، ولا غرابة إن قلنا أن العنوان يحيل على حالة نفسية سائدة ، تجعل القارئ يتوغل دون أن يدري في أهم إشكال تعيشه المجتمعات العربية بصفة خاصة ، والتي ما فتئت تمارس نوعا من الهروب والفرار الدائم نحو أجوبة قديمة ، قد تحل معضلة ما هم عليه الآن ، من التمرجح بين الحب والدمار . إنها أزمة زمن وبناء عوالم أخرى للعيش في الذاكرة. وممّ يزيد القارئ يقينا بفلسفة الكاتب في العنونة ، عنونته لفصول الرواية ، و التي أسقطته مباشرة في كلاسيكية مستوحاة من أسلوب مصطفى صادق الرافعي في الكتابة ‘أوراق الورد الحزينة ‘ ، ‘ سقوط الأقنعة ‘…’ طائر يستريح’.
‘ نوستالجيا الحب والدمار ‘ نص يمكن اعتباره ، بدءًا، من أهم النصوص السردية الحديثة ، التي قاربت ثيمة الأرض في ارتباطها بالإنسان ، خاصة في مسمّى الهامش الجغرافي العربي . الأرض باعتبارها شلالاً لا ينضب من الجماليات ، وباعتبارها محلاً دائما للصراع البشري . ذلك لأن الكاتب نأى بنفسه عن اليومي المبتذل حذو تبني قضية من أخطر القضايا التي شغلت المخيّلة البشرية على الإطلاق. إنها الأرض بتاريخها وأساطيرها ..وذاكرتها ، الأرض التي تورث كاللغة كما يقول الشاعر محمود درويش . وهي كذلك الأرض التي قاوم من أجلها الجد الإستعمار الفرنسي والبرتغالي للمغرب ، وقدم الغالي والنفيس من أجل الظفر برائحة ترابها وهو يتنفس حرية ” اليوم قامت قيّامتي ، هذا التراب سآخذه معي أينما رحلت. ثم بدأ يأكل التراب في جنون أصابني بالذعر ” صفحة 60 من الرواية . إذاً الأرض والصراع عليها هو الثيمة المركزية لهذه الرواية التي جرت فصولها وأحداثها ، بقرية أولوز جنوب المغرب، هذه الفصول السردية التي تحاكي أو تكرر على عادة التجارب الإنسانية ، مأساة وتراجيديا شعوب عاشت نفس أحداث التهجيير مع الفارق. فالقصة لا تبتعد كثيرا عن قضية الإستطان الصهيوني لأرض فلسطين ، ولا عن مجريات قضية التهجيير التي عاشها المصريون على وقع بناء السد العالي في مجرى النيل ، ولا عن إبادة قبائل الهنود الحمر لحساب الرجل الأبيض ، الأحداث ذاتها والقصص تتشابه خيوطتها والضحية الأولى يبقى هو الإنسان ، الذي يزاح عن أرضه ليحل محله الخراب. لهذا كانت الرواية في شكلها الموغل في المحلية تخترق بعمق ، أبعاد كونية ، وتتخذ من الهامش جسراً للعبور إلى مآسٍ بشرية متعددة لا لشيء إلا لأن الإنسان هو المحور الأول والأخير فيها.
أنير البطل الأبرز في الرواية ، يتخذ شكل البطل الفردي كصدى للبطولة الجماعية ، ضداً على همجية الحكومة في إنشاء سد لا تاريخ له إلا ما استولى عليه من تاريخ أنقاض القرية. أنير الكاتب العمومي وكاتب القصة القصيرة جداً، والذي يدخل في قصة حب فاشلة مع ماريا ، وبفعل الإكراهات المادية التي كانت تلاحق الفرد البدوي ، اختارت ماريا العمراني صاحب المال والجاه ، كشخصية لا دور لها إلا تدمير استراتيجية الحب البريئة التي تحتفي بكل ما هو جميل وطاهر. ولا أرى ضيرا إن ذكرنا أن الكاتب وظف بشكل جلي ، مفهوم الكتابة العمومية لدى الناقد الفرنسي رولان بارط خلال اشتغاله بالشخصية البطلة ( أنير) في هذه الرواية. فالكاتب العمومي يتحول إلى كاتب قصة قصيرة جدا.
الثورة التي أشعل حرائقها أنير ، لم تنجح ، بل دفع ثمنا باهضا مقابل جسارته على الظلم والإقطاع الممارس بإسم المصلحة العامة ، السد في النهاية أقيم والإنتفاضة فشلت ، وهذا يحيلنا على حالة الربيع العربي وثوراته التي أتت على الأخضر واليابس ، ولم تجن الشعوب من وراء حرائقها سوى الرماد. فالثورة بمنطق الرواية تفشل مالم تكن ثورة واعية بالإمكانيات والإمكانيات المضادة .الثورة مع السعيد الخيز قد تنجح حين يقودها الحب ، والحب ليس بوسعه أن ينتظر إلى أن تنتهي العاصفة.
بنوع من التداعي السردي كان الكاتب يضع فواصلً لحبكته من حين لآخر ، ليبدو لنا كقراء مبعثرا مبتورا ، ينفض ذاكرته بفوضى خلاقة ، ويتحرر منها عابثا بكل ممكنات السرد . وبالعبث كذلك كان يطارد هويته في اللاإلتحام بين مجزوءات النص ، فهو يقوم بأدوار متعددة في طور سريانه الوئيد من حدث إلى حدث ، لتتشكّل شخصيات عدة وتروى فصول هو البطل المُجسّد الروائي الرائي فيها.
الرواية في مجملها عبارة عن متن حكائي ، خيوطه متوازية يقودها الروائي السعيد الخيز بمهارة بالغة ، نحو الإلتحام في أفق النهاية مشكّلاً بذلك بناءً سرديا فسيفسائيا ، تتداخل فيه أجناس أدبية متعددة ، شعر ، قصة قصيرة جدا ، منولوج ، نثر قرآني ، أغاني شعبية ،… فن الرسائل . وبلغة طيّعة المفردات وبمعجم يمسح أدق التفاصيل في احتفالية بهيجة بالأرض والطبيعة حيث يقول “أجري بين أشجار الزيتون ، أقطف نبتة طيرطا ذات الرائحة الكريهة وأمسح بها وجوه فتيات الدوار ..” صفحة 129، كان السعيد الخيز يضخ اللغة من جميع حقولها الدلالية مستحضرا معجما ضخما يراوح فيه بين الطبيعي الرومنسي وبين معجم المقاومة لتصوير اللحظة تلك.
وقد اعتمد الكاتب على تقنيات سردية متعددة ، ليحكم بها حبكة النص ، فكي يتمكن من سربلة الزمن المنفي في ذاكرته ، عمد إلى تقنية الإرتداد ( فلاش باك ) “ذات نوستالجيا حين كنت بعمر الزهور ” ص 129. وبالمنطق الإسترجاعي ذاته تروي الشخوص حكايتها في الوقت الذي تتشكل فيه ، داخليا وخارجيا ، في ذهن القارئ وداخل الفضاء المختار ، والذي لا يعدو كونه المكان الأول، البادية ، التي حاول الكاتب أن ينافس بجمالياتها أرقى المدن حضارة. فاستنطق الأرض ، بلغتها الأمازيغية الأم ، وهيّج الخصوبة وجعل الأزهار تعوم في العشب… بطريقة شاعرية تقود إلى هستيريا الجمال.
بالإضافة إلى ما ذكرناه من التداعي والتذكر والرسائل استعمل الكاتب الحلم ، حلم اليقظة الذي جعل النص يبدو شاعريا إلى أقصى درجة .هذا ليس كل شيء، فالكاتب تعاطى في مستوى آخر مع الأساليب اللغوية بطريقة فذة ، حيث زاوج بين التقريرية والإخبار واستعان بأساليب أخرى للوصول إلى أعمق نقطة يمكن التصوير والوصف فيها. كاميرا الكاتب تتحرك ببطء ، داخل نص يركض بسرعة ويلهث وراءه القارئ ، ربما لكي لا تغفل أبسط التفاصيل في قراءة جماليات الخراب ، أو في جس نبض الرؤية القبلية والبعدية للحيز الذي تتحرك فيه الشخصيات ، أو كمحاولة كذلك للم شتات قصة الحب مع الدمار المرافق لها. وبما أن الجملة هي محل الدرس باستحقاق كما يقول تشومسكي ، فإن الكاتب عمد إلى الجمل القصيرة في الحوارات ، والطويلة فيما دونها ليتسنى له الإنتقال بسلالسة بين الأساليب اللغوية التي اشتغل عليها ، وبين المستويات التي تلامسها الرواية خاصة فيما يتعلق بالإنتقال الفجائي الذي يحدثه الكاتب ، حين يصطدم المستوى الواقعي الجاف بمستوى آخر شاعري وهذا وارد في معظم جمله ، وهذه التقنية استعملت ليقال للقارئ أن الحقيقة مرعبة والمجاز وحده يكفي لرفع صورة الدمار دون تشويهها.نلحظ كذلك فيما يخص البنية اللغوية المكونة للجمل حضور قوي للمضارع الذي يفيد الإستمرارية والإستقبال ( سأجري ، سأسير، سيقولون ..)، وكـأن الرواية لم تنته بعد في جسده ، إنتهت في الواقع ، لكنها مازلت تكرر نفسها ومأساتها في الذاكرة ، لكن هذا لا يعني أنه لم يعمد إلى أفعال السرد الكلاسيكي فالكاتب حاول جاهدا أن لا يخرج عن أطر الجنس السردي الذي يكتب فيه. والضمائر في معظمها مسنودة لمعلوم شخصياته ، لأن الكاتب لا يعقد عقدا تقليدية تجعل القارئ مشدوها يطارد المعنى في النص المحكي ، بل المعنى يتولد كما هو الحال في النصوص الما بعد حداثية في تفاعل القارئ بالمقروء ، وفي هذا الجانب يكون المعنى خفيا جدا ، ويحتاج القارئ معه إلى قراءة ما وراء الأساليب البنيوية المعروفة ، في اتجاه خلق أفق منفتح على التأويل يفتح على النص في كل لحظة نار التفكيك ، وكأنه ، أي القارئ ، يتلذذ بقراءة نص مفتوح كسر كل حدود التجنيس وجاوز ذاته ، وإن إقحام الكاتب لأجناس متعددة في نصه السردي لهو أكبر دليل على تخلصه منها بالضرورة ، تماما ، كما أن إغراقه في المحلية عبور بضرورة ثانية ، نحو الكونية . واعتماده على معجم ثقافي ضخم يخدم هذه التقنيات لا يشي إلا بأن العالم يختزله السعيد الخيز بكل مكوناته في قرية هامشية بنواحي إقليم تارودانت .
أما الحوار فقد كان بلغة بسيطة وواضحة في متناول فهم الجميع تسقط أحيانا في اللغة الوسيطة على دأب الحوار في النصوص السردية المعاصرة ، هذا لكي توحي بنوع من الواقعية وتعطي إيحاءات كاملة عن نفسية الشخصيات المتحاورة. لكن اللغة تعدت حاجة الحوار ففي خارجه تتمظهر كلغة كثيفة تفي بغرض الوصف، وبين الوصف والسرد يتبدى لنا المعنى الذي يحاول الكاتب كتمه وراء ارتفاع حيز التأويل في منسوب لغته ، التي تعبر ثلاث أزمنة مختلفة ، زمن النص المروي إبان إنشاء السد وحدوث الكارثة ، والذي يتشكل بالعوامل الموضوعية إذ ذاك سياسيا واقتصاديا واجتماعيا…وزمن نفض الغبار عن الذاكرة ،ومباشرة الكتابة ثم أخير زمن القراءة الذي يخلق بفعل تفاعل الأول والثاني. فنحن كقراء لا نعيش إلا زمن الرواية الذي يخلق في ارتباط الإندفاع النفسي للكاتب وإرادة الكتابة مع واقع ذاكرته. تماما كما يحدث مع المكان أو الفضاء فقرية أولوز أو تازناخت وتالوين أو حتى مدن مغربية كطنجة لا تعدو كونها ، فضاءً جغرافيا مختلق يحاول الكاتب أن يوهمنا بأنه الجغرافيا الموضوعية للوقيعة ، لكنه في الحقيقة مجرد مكان يخفي خلفه تلك الدوال المتقطعة ، التي تُخلق لحظة الكاتبة ، مشكلةً فضاءً متجانسيا ، نحياه ، ونضطر لتصديق الكاتب في روايته عنه ، ونقول في الأخير أنه المكان الأمثل لجغرافيا الرواية .
كما أسلفنا الذكر فالنص احتفى بالأجناس الأدبية جميعها ، في قالب متين ، كخطوة أولى لتخطي الكاتب لمفهوم التجنيس ، واسقاطه بفعل التجاوز لا القفز عليه. الغنى في هذا المستوى لا يضاهيه إلا احتفال النص الصارخ بمكونات ثقافية عدة ، خاصة المكون الأمازيغي ، الذي يعتبر قلب الشمال الإفريقي ، فأعلام ( أنير ، تودا) أي ( القمر ، والكفاية ) تحيل إلى بنية إثنية تقابلها في ذلك (كاترين ) التي تجسّد الإختلاط العربي- الفرنسي. وفي الوقت ذاته كان الكاتب يمهد الطريق نحو العبور ولو، على خجل ، إلى ثقافة الشرق الأسيوي ، خاصة الثقافة الصينية والبابانية التي بدت حاضرة ، في لباس وتسريحة شعر إحدى الشخصيات أو ميولها نحوها ، وهذه دلالة تقرأ على أن الكاتب لامس في روايته ، الغزو الصيني اقتصاديا وتجاريا لدول العالم الثالث ، ومم لا يخفى على أحد أن هذه النمور الأسيوية التي تعتمد في بنيتها الإقتصادية على التصنيع تتأهب في أية لحظة ، لسيادة المستقبل بثقافتها ، ضدا على الإقتصاد الرأسمالي المبني على الخدمات والمهدد كل يوم بالإنهيار تحت وطئة أزمة اقتصادية عالمية قد تقلب كل الموازين. إذاً الكاتب اختار موقفا ثقافيا و استراتيجيا ، يسمح بهذا التوازن ، ويقدم المعطى الثقافي الذي يزخر به المغرب ، ناهيك عن جنوبه الذي تعالجه الرواية. بدءًا ، بالإحتلال الفرنسي والبرتغالي لهذه المنطقة الأمازيغية مرورا بالمكون العربي الإسلامي الحاضر منذ عقود ، وصولا إلى حضارات أسيوية تمارس احتلالها رمزيا وبحروب تجارية باردة.
بعيداً عن المكونات الثقافية والتقنيات النقدية قريبا من اللون الأزرق الذي حوّل النص إلى بحر هائج ، يعكس ألونه البحرية على القارئ خاصة عندما تنتفض الذاكرة على الخراب الذي لحق ببيت الضيوف ذو الحزام النيلي الأزرق ومائدة الكرم البدوي بشايها ولوزها وجوزها. قريبا كذلك من الصوت حيث يترنم في كل لحظة وبعد كل كلمة بأصوات الطيور التي لا ترجو إلا حرية وحفيف أشجار الزيتون الخالدة ذات الظلال الظليلة التي كان لها حظ وافر من الذكرى.قريبا من الصورة نرى جبال ممشوقة وماعز ملعق بأشجار الأركان نرى كل شيء ولا نرى الخراب لأن جمال اللغة ردمه.
في الرواية، الضوء يتكلم ، والمكان رياح أليفة تأبى السفر لأنها مدفونة في ملامح قاطنيها ، الإنسان زنزانة من الحنين والعذاب والغرام …بهذا المنطق الشعري العابث حوّل السعيد الخيز الخراب إلى لوحات تشكيلة تقرأ بفنية عالية ، وحول الشظايا والطوب المتهاوي على رؤوس أبناء القرية إلى منحوتات ناطقة باسم الذاكرة في استمرارها الذي يجسّد بشاعة الفعل البشري للإنسان تجاه أخيه الإنسان وتجاه الأرض.
وفي النهاية سمفونية حزينة ناقصة تسائِل مصير أنير بعد كل هذا الهذيان ، هل مات ؟ هل هو من كتب الرواية ؟ هل انتصر على مرضه ؟ هل الرواية اكتملت أم أن هناك فصول أخرى وأجزاء في انتظارنا ؟ وكيف بكاتب عمومي لا يجيد إلا كتابة القصة القصيرة أن يكتب رواية الخراب هذه ؟ يقال أن المأساة والحب معاً يصنعان شاعراً ، وقد يصدق القول على أنير فيتحول لوهلة روائيا . ما علينا. فلنعد على بدء إلى أول حلقة حيث ركن الإهداء لمريض السرطان محمد أمين بوادي والذي ناشد في أصدق لحظة مواجهة مع الموت بالتغيير . يريد التغيير فقط وبعدها يموت مطمئنا، وبكل جراءة فاتحا آفاق أخرى للعيش وبعد ترحيل جغرافيا الحياة لأرض الموت تغير أخيرا من حالة إلى أخرى ولا شيء يبقى على حاله الزمن يتغير والمكان يتغير والقرى والمدن تغير أحوالها وترحل إن شاءت إلى مهب الشتات هذا ما أراد قوله الروائي السعيد الخيز.

قد يعجبك ايضا