فادي السمردلي يكتب:سقوط العدالة والنزاهة حين تُدار الانتخابات بمن لا يفقه الأنظمة والقوانين

بقلم فادي زواد السمردلي. …

*#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال*

 

👈 *المقال يصوّر حالة عامة، وأي تشابه عرضي مع أشخاص أو وقائع حقيقية غير مقصود.*👉

إن أسوأ ما يمكن أن يصيب أي منظومة انتخابية ليس تزوير الإرادة الشعبية فقط، بل أن يتصدر إدارتها من لا يعرف النظام ولا يفهم القانون، من يخلط بين الإجراء والسلطة، وبين الحياد والميل، وبين الواجب والمصلحة فهؤلاء هم الخطر الحقيقي على أي مؤسسة تدّعي النزاهة، لأن الجهل بالقانون لا يقل فداحة عن خيانته عمدًا.

حين تُدار الانتخابات بيد من لا يفقه أبجديات النظام، تكون النتيجة فوضى مموهة بلغة الشرعية، ويصبح القانون غطاءً للارتباك، لا مرجعًا للانضباط. هؤلاء المسؤولون — من حيث لا يشعرون أو يشعرون ولا يبالون — يحوّلون العملية الانتخابية من ممارسة ديمقراطية إلى مسرح عبث، تُدار فيه المخرجات وفق الرغبة لا وفق النصوص.

والأدهى من ذلك، أن المخرجات حين تُعجبهم، يصمتون ويبتسمون ويُظهرون حكمة زائفة ولكن حين تأتي النتائج على غير هواهم، يبدأون في التخبط والتبرير، يحاولون إلغاء ما لا يوافق رغبتهم، وكأن القانون مزاج، والنتائج ملكية خاصة لهم وهنا يظهر عجز المنظومة في أوضح صوره فشل في الإدارة، ثم فشل في تحمل تبعات الفشل.

أما الكارثة الكبرى، فهي حين تُعاقَب المخرجات — أي الحقيقة التي أفرزتها العملية — بينما يُترك الفاشل دون مساءلة، وكأن الخطأ يولد من فراغ. كيف يُعاقب القانون على نتائجه ولا يُحاسب من خرقه أو جهل به؟ هذه هي المعادلة التي تهدم الثقة، وتنسف حياد المؤسسات من جذورها.

إن حماية المنظومة لا تكون بإخفاء فشلها، بل بمحاسبة من شوه صورتها فالفاشل في إدارة الانتخابات ليس موظفًا أخطأ فحسب، بل هو خطر على مبدأ العدالة ذاته، لأنه بضعفه يفتح الباب أمام الشك، وبجهله يضرب سمعة المنظومة في مقتل
فالحياد لا يُعلن، بل يُمارس. والنزاهة لا تُكتب في الشعارات، بل تُثبت في المواقف وحين يُترك الفاشل ليكرر فشله، فإن العقوبة تنتقل من الفرد إلى النظام بأكمله.

لكن الأخطر من ذلك أن الفشل حين يُترك بلا مساءلة، يتحول إلى ثقافة، إلى نمط إداري يُبرَّر ويُعاد إنتاجه في كل دورة انتخابية، فيتحول الخطأ إلى عادة، والخلل إلى عرف، وتُبنى فوق الركام منظومة تدّعي الانضباط وهي لا تعرف معنى الانضباط أصلًا. هنا يصبح الخطر مضاعفًا فليس لدينا فشل عرضي، بل خلل مستدام يعتاش على غياب المحاسبة وعلى تواطؤ الصمت.

إن أخطر ما يواجه أي عملية انتخابية هو تسييس القانون وتخصيص العدالة فحين يصبح القانون مرنًا بيد من يجهله، يفقد قيمته كضابط، ويتحول إلى أداة للتمييع وحينها لا تعود الانتخابات ساحة تنافس نزيه، بل حلبة تلاعب يُكافأ فيها المُقرّب ويُدان فيها المختلف ومتى غابت العدالة، ضاعت الثقة، ومتى ضاعت الثقة، سقطت شرعية النتائج مهما كانت الأرقام.

ليس النظام من يُخيف الناس، بل الذين يعبثون به باسم النظام. ليس القانون ما يُضعف العدالة، بل الذين يسيئون تطبيقه بحجة الحرص على استقراره فإدارة الانتخابات مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون تقنية، ومَن لا يدرك وزن الأمانة التي يحملها، لا يحق له أن يشتكي من اهتزاز صورة المؤسسة التي يمثلها.

إن المنظومة التي تتغاضى عن فشلها وتُغلق أبواب النقد أمامها، تزرع بذور سقوطها بيدها فكل مؤسسة لا تعرف كيف تواجه أخطاءها، تُمهّد لتكرارها والسكوت عن الفشل بحجة الحفاظ على “الهيبة” ليس سوى هروب من الحقيقة، لأن الهيبة لا تُحفظ بالصمت، بل بالتصحيح.

في نهاية المطاف، ليست الانتخابات مجرد اختبار للمرشحين، بل اختبار للمؤسسة التي تديرها. فحين يكون القانون هو الحَكم الحقيقي، يقبل الجميع بالنتائج مهما كانت أما حين يصبح القانون مجرّد ديكور إداري، فإن كل فوزٍ مشكوك فيه، وكل خسارةٍ مثار نزاع.

لقد آن الأوان لإعادة النظر فيمن يُدير لا فيمن يُنتَخب. فالمؤسسة التي تمنح السلطة لمن يجهل النظام، تُعلن ضمنيًا أن القانون لا قيمة له إلا حين يخدم مصالحها. وهذا هو جوهر الانحراف المؤسسي وأن يتحول القانون من مرجعٍ إلى أداة، ومن مبدأٍ إلى وسيلة.

إن إصلاح العملية الانتخابية لا يبدأ من صناديق الاقتراع، بل من عقول من يشرفون عليها فالإصلاح يبدأ من محاسبة الفاشل، لا من إسكات النتائج. لأن العدالة التي تخشى الحقيقة، والسلطة التي تخاف النقد، كلاهما خاسر في النهاية وحين تسقط الثقة، لا تُنقذها البيانات، ولا تُرممها اللجان، لأن الشعوب لا تُخدع مرتين، والشرعية لا تُمنح إلا لمن يستحقها بصدق وعدالة.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا