الصحف الإسرائيلية 26-11-2016

الموصل – بوابة جهنم

بقلم: يعقوب عميدرور
لقد تحدثت في هذا الاسبوع مع صحفية توجد في المقاطعة الكردية. وبصفتها كردية لها أذن حساسة لما يحدث في الموصل، لأن المعركة هناك هامة بالنسبة لشعبها، وما يقلقهم الآن هو اليوم التالي. من الواضح أنه سيتم تحرير المدينة من داعش. والسؤال هو ما الذي سيحدث بعد ذلك. الوضع هناك معقد. تقريبا جميع مشكلات الشرق الاوسط تنضوي تحت معارك تحرير الموصل في العراق. في العادة من الصعب ايجاد التقاء في العلاقات والقوى في مكان واحد بشكل يعبر عن منطقة بأسرها، لكن هذا هو الوضع في المدينة المهدمة التي ما زالت تسيطر عليها الدولة الاسلامية.
أحيانا يحمل التاريخ تحديات تتركز وتتحد في وجهها جهات مختلفة من اجل تحقيق شيء للجميع مصلحة فيه. في حالات كهذه يبدو أن التقاء الطاقات يخلق أمرا جديدا، وفي احيان كثيرة عندما ينتهي الحدث الذي خلق التحدي، تتحول هذه القوى والطاقات الى نار محرقة، تقضي ليس فقط على التعاون المؤقت، بل ايضا على ما هو موجود في المحيط. كان هذا مصير التعاون بين القوة العظمى الشيوعية في الاتحاد السوفييتي وبين الدول الغربية الديمقراطية برئاسة الولايات المتحدة في الحرب ضد المانيا النازية، الذي صمد الى حين احتلال المانيا. هذا الامر قد يحدث في الموصل التي تتوجه اليها قوى كثيرة ومتعددة. وقد يتبين في المستقبل أن هذه المعركة ستشكل مرحلة مفصلية في الشرق الاوسط.
خمسة جيوش كبيرة تحارب هناك، اضافة الى ملاحق صغيرة. القوات الكبيرة هي: 1- جيش العراق، الذي يخضع لحكومة شيعية وتأثير ايران، والذي تم تدريبه بمساعدة كبيرة من الولايات المتحدة، والذي من المفروض أن يكون محايدا في الصراع بين الطوائف. 2- مليشيات شيعية تخضع لامرة ايران وتسعى الى تحقيق المصالح الضيقة للشيعة على حساب السنة، بما في ذلك تنظيف المكان من أي جهة سنية. 3- البشمارغا. وهي قوة الاكراد العسكرية التي تحاذي مناطقها المستقلة الموصل، وتريد توسيعها أو على الأقل التأثير في الموصل. 4- مليشيات سنية، خصوصا من قبائل الغرب – التي تحارب من اجل عدم تحويل المدينة الى منطقة يقوم فيها الشيعة بالقضاء على السنة. 5- الاتراك الذين لا يعترفون بـ “اتفاق لوزان” من العام 1923، والذي رسم بعد الحرب العالمية الاولى حدود تركيا في هذه المنطقة. والان يريدون منع الاكراد من تحقيق أي انجاز. بالنسبة لهم هم يريدون استعادة المناطق التي كانت حتى الآن تحت سيادة العراق.
كل هذه القوات تتركز حول الموصل، حيث أن هدف القضاء على داعش يوحدها. والسؤال هو ما الذي سيحدث في اليوم التالي وبعد اختفاء العدو المشترك؟ حيث يتوقع أن تقوم كل مجموعة ببذل الجهود لتحقيق اهدافها على حساب المجموعات الاخرى، لأن جزء من الخلافات فيما بينها هي نتيجة خلاف امتد سنوات طويلة لا يمكن حله.
تحدٍ كبير سينشأ اذا سيطر الشيعة على المدينة، وفرص ذلك كثيرة. في هذه الحالة قد يحدث ذبح كبير أو طرد للسكان السنة في المدينة. الموصل بالنسبة لايران هي مدينة المفتاح. فاذا نجحت في “تنظيفها” من السنة فذلك سيُمكنها من تحقيق الحلم الشيعي الايراني بعيد المدى. وستنشأ فرصة التخطيط للاستمرار بالتوجه نحو الغرب، من جنوب تركيا نحو شمال سوريا. وبعد احتلال مدينة حلب باتجاه البحر المتوسط والالتقاء مع العلويين في سوريا والشيعة من حزب الله في لبنان.
هكذا سيتم استكمال ما يسميه ملك الاردن، متخوفا “الهلال الشيعي، ممر ايراني يقطع العالم العربي من طهران الى بغداد ومن هناك الى دمشق وبيروت”. وأخيرا ستتمكن ايران من تحقيق ما بدأت به بعد ثورة الخميني في العام 1979 وما سمي بـ “تصدير الثورة”. هذا الامر وجد دفعة حقيقية بعد توقيع الاتفاق النووي بين ايران والقوى العظمى برئاسة الولايات المتحدة. وسيكون ذلك تعبيرا جغرافيا واضحا عن صعود قوة ايران في المنطقة.
إن انضمام ايران والولايات المتحدة الى المعركة ضد المنظمة السنية المتطرفة، والنتيجة الصعبة بالنسبة للسنة بعد المعارك، خصوصا اذا انتهت المعركة بالقتل أو الطرد لعدد كبير من المواطنين السنة، كل ذلك قد يخلق شعورا سنيا حول ضياع الطريق. كيف سترد السعودية على ذلك، التي تحاول قيادة الاغلبية السنية في العالم العربي؟ وكيف سترد تركيا، التي توجد بينها وبين الامبراطورية الفارسية عداوة تاريخية؟ هل ستتصرف مثل قائدة للسنة وتضع نفسها في موقف مختلف عما هو اليوم، أي دولة قوية تسير باتجاه مركز منصة الشرق الاوسط؟.
اذا تقدم جيش تركيا الى داخل العراق، فان بغداد ستكون أمام قرار صعب حول كيفية فرض سيادتها، ولا تستطيع الولايات المتحدة الوقوف على الهامش. لذلك فان هذه الخطوة لن يتم اتخاذها بشكل سهل من قبل تركيا، لكن يجب أخذها في الحسبان. أم أن النتيجة ستكون تعزيز معنويات داعش، حيث لن يكون للسنة بديل، والسنة سيتدفقون كلاجئين الى اوروبا. وعلى هامش ذلك، ماذا سيكون مصير كردستان التي تخاف من تركيا؟.
قنبلة موقوتة
في العالم الذي توحد من اجل القضاء على التنظيم البربري في الموصل، تزداد المخاوف من عودة المواطنين المحليين الى الاماكن التي خرجوا منها للقتال في سوريا والعراق. سيعودون الى منازلهم مع معرفة عسكرية ورغبة في الانتقام والشعور بأنه ليس هناك ما يخسرونه. وفي المقابل، ستصعب معالجتهم كونهم مواطني المكان. وكثير من الدول ستضطر الى تغيير قوانيها من اجل مواجهة التهديد المتزايد.
المكان الذي من المفروض أن يحتفل فيه العالم بالانتصار على الحركة الارهابية الفظيعة قد يتحول في اليوم التالي للاحتفال الى بوابة جهنم تتركز فيها كل أمراض الشرق الاوسط. الصراع الشيعي – السني، تهديد الاسلام السني المتطرف للدول، الحرب بين ايران والسعودية (من خلال وكلاء)، التوتر بين الاكراد والاتراك، التواجد الايراني أمام تراجع قوة الولايات المتحدة وروسيا التي تعمل من اجل الحفاظ على الاسد في الحكم. عندما ترى كل هذه القوى المتناقضة أنه حان الوقت لتقاسم الغنائم، قد يبدو المشهد سيئا جدا.
مع استمرار الصراع الدموي في المنطقة، يجب على اسرائيل الاستمرار في السياسة التي اتبعتها حتى الآن: البقاء خارج اللعبة ذات الابعاد التاريخية وتحديد المصالح الحيوية وعلاج الحالات التي يتم فيها تجاوز الخطوط الحمراء، التي قامت بوضع علاماتها بالرمال المتحركة والدامية في الشرق الاوسط.
اسرائيل اليوم

قد يعجبك ايضا