ترامب… إرهابيُّ العصر

عدنان عبدالله الجنيد  …..

حين يُشهِرُ عضلاتِه في فنزويلا ليُخفي انكسارَه في البحر الأحمر: من إذلال الأسطول إلى مسرحية الخطف السياسي.
المقدمة:
من البحر الأحمر إلى الكاريبي… هروبُ القوة من جبهة الإذلال:
ليست أخطر لحظات الإمبراطوريات ساعة توسّعها، بل ساعة انكشافها.
في البحر الأحمر، حيث تصدّعت أسطورة السيطرة البحرية، وحيث ارتطمت حاملات الطائرات بإرادةٍ لا تملك سوى العقيدة، تلقّت الولايات المتحدة ضربةً لم تكن عسكرية فحسب، بل رمزية وجودية.
هناك، سقطت صورة “هيمنة الممرّات”، وبدأ الارتباك في غرف القرار.
وحين تعجز الإمبراطورية عن فرض إرادتها في الجبهة الصلبة، تبحث عن مسرحٍ آخر أقل كلفة وأكثر قابلية للاستعراض.
هكذا تنتقل البوصلة من المواجهة المعقّدة إلى منطق الخطف السياسي، ومن اختبار الإرادة إلى استعراض القوة الفارغة.
ليس ذلك سياسة خارجية، بل نوبة غضب إمبراطورية يقودها رجل لا يحتمل فكرة الانكسار.

لماذا فنزويلا؟ ولماذا الآن؟ منطقُ الخطف في العقل الإمبراطوري:

لم يكن استهداف فنزويلا خيارًا عاطفيًا ولا نزوةً طارئة، بل حسابًا باردًا داخل عقل مأزوم.
فحين تتراجع الهيبة في الجبهات الصلبة، تُختار الأهداف التي تجمع ثلاث صفات: الثروة، والتمرد، والتوقيت.
النفط… الجريمة حين تتزيّا بالديمقراطية:
فنزويلا تُعاقَب لأنها تملك ما لا يُسمح بامتلاكه خارج الطاعة.
في منطق ترامب، السيادة على الموارد جريمة، والاستقلال الاقتصادي تمرّد.
هنا يصبح الضغط السياسي إعادة ترتيب قسرية لخريطة الطاقة، تُدار بالقوة لا بالتفاوض.

كسر نموذج التمرّد في “الحديقة الخلفية”:
وجود قيادة ترفض الإملاءات في أمريكا اللاتينية يُعدّ خطرًا مضاعفًا. الاستهداف ليس للأشخاص، بل للرموز. الرسالة: من يخرج عن الطاعة— في الخاصرة الرخوة—يُدفع ثمن تمرّده علنًا.

التعويض النفسي عن انكسار البحر الأحمر:
بعد عجز الردع في مواجهة قوى صلبة، يُصنَع “نصر سريع” للاستهلاك الداخلي.
فنزويلا تُستَخدم مسرح تعويض يُغطي ضجيجه على حقيقة أعمق: الإمبراطورية لم تعد تحسم حيث تُختبر الجدية.

من الردع إلى الاستعراض… حين تتحوّل القوة إلى كاريكاتير:

القوة التي تحتاج إلى استعراض دائم هي قوة تشكّ في نفسها.
الإمبراطور الواثق لا يخطف ولا يبتزّ؛ أما المرتبك فيلوّح بالعصا في وجه الأضعف ليقنع نفسه قبل الآخرين أنه ما زال قويًا.
الاستعراض هنا اعتراف غير معلن بالهشاشة.

ترامب لا يحكم… بل يبتزّ العالم:

في قاموس ترامب لا وجود لحرمة السيادة ولا للقانون الدولي.
هناك معادلة واحدة: إما الطاعة، أو العقاب.
هذا ليس خلافًا دبلوماسيًا، بل إدارة مافيا عابرة للحدود تُدار بالتهديد والخنق والخطف السياسي حين يلزم.

إرهاب الدولة… حين يصبح البيت الأبيض غرفة عمليات:
ترامب قدّم نموذج “الإرهاب الفاخر”:
الطائرات بدل السيارات المفخخة،
القرارات التنفيذية بدل البيانات السوداء،الحصار والخطف بدل التفجيرات.
إنه إرهابٌ أخطر لأنه يُمارَس باسم “النظام”، ويمنح العنف شرعية زائفة.

البحر الأحمر… سقوط الأسطورة البحرية:
في البحر الأحمر لم تُهزم القوة بالسلاح فقط، بل بالفكرة.
هناك تبيّن أن التكنولوجيا لا تهزم عقيدة، وأن الردع يفشل أمام من لا يخاف.
من يفشل حيث تُختبر الإرادة، لا يستعيد الهيبة باستعراضات جانبية.

أمريكا اللاتينية… ساحةُ استعراض العجز:

لطالما عوملت القارة كـ“حديقة خلفية”.
لكن الزمن تغيّر.
كل استعراض قوة هناك لا يعيد الهيبة، بل يفضح العجز عن مواجهة الندّ الحقيقي.
إنّه هروب إلى الأمام لا أكثر.

غزة واليمن… حين تسقط الدول في دقائق وتصمد الشعوب سنوات:
غزة المحاصَرة واليمن المثخن بالجراح صمدا سنوات.
بينما سقطت دول “رسمية” في ساعات.
الدرس مرعب للإمبراطوريات:
ما يحمي الأوطان ليس حجم الجيوش، بل عمق الإرادة.

الخلاصة الكبرى:
بيانٌ إلى شعوب العالم ترامب لم يُثبت قوة أمريكا، بل كشف زيفها الأخلاقي حين تُدار بالقوة العارية.
لم يحمِ النظام الدولي، بل مزّق آخر أوراقه حين جعله أداة ابتزاز.
إلى الشعوب:
لا تنخدعوا بالضجيج.
الإمبراطوريات تُكثِر الاستعراض حين تقترب من أفولها.
غزة واليمن لم تنتصرا بالسلاح وحده،بل بفضح الكذبة الكبرى:
أن القوة تصنع الشرعية.
الشرعية تصنعها الشعوب التي لا تركع.

الكاتب من اليمن

قد يعجبك ايضا