السيد حسين بدر الدين الحوثي… صوت القرآن الذي أرعب الطغاة ومشروعٌ أمة لا يموت

أحلام الصوفي …..

 

عندما نتأمل في تاريخ الأمة في العقود الأخيرة، يبرز في الأفق صوتٌ رفض أن يظل صامتًا أمام الزيف، وصحّح المسار حقًّا حين مال المجتمع نحو الخضوع والفتور. ذلك الصوت كان السيد حسين بدر الدين الحوثي الذي لم يكن مجرد قائد سياسي أو واجهة فكرية، بل كان مشروعًا نهضويًا قرآنيًا متكاملاً، حمل في طياته روح الرسالة، وصدح بها في زمنٍ عصيب، وحوّل الصراع من مجرد نزاع سلطة إلى صراع قيم بين الحق والباطل.

لقد وقف السيد حسين في مواجهة مشاريع الهيمنة والقيم المستوردة، معلنًا بوضوح أن الأمة لا يمكن أن تستقيم إلا بعودةٍ إلى جوهرها، جوهر القرآن وقيمه. ولم تكن خطبه مجرد كلمات تُلقى، بل كانت رسائل للضمير الجمعي تستنهض الهمم، وتحرّك العصبية نحو ما هو أصيل وراسخ. من خلال دروسه ونقاشاته، جسّد نموذج الإمام العارف الذي لا يتخلى عن الحقيقة، حتى وإن كانت غير مرغوبة لدى القوى الفاعلة في المنطقة.

حين قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
أنا مدينة العلم وعلي بابها
لم يكن ذلك وصفًا لعصرٍ مضى، بل تعبيرًا عن مدرسةٍ باقية تمتد عبر الزمان، تستظهر من فهم القرآن وتطبيقه جوهرًا وقاعدةً لبناء الأمة. والسيد حسين كان امتدادًا لهذا الباب، لم يُغلق، بل امتدَّ إليه من ينشد الوعي والحقيقة، بكل صدقٍ وإيمان.

إن الساحة اليمنية قبل السيد حسين كانت تعيش حالة من الضعف والارتباك بين خطابٍ دينيٍّ متخشّع وخطابٍ سياسيٍّ منغلق على نفسه. فجاءت رؤيته لتهزّ الواقع، وتكشف الاستلاب الفكري، وتؤكد أن الاستقامة لا تُبنَى ببريق الكلمات وحده، بل بالربط بين النصّ والممارسة، بين الذات والمجتمع، بين الأخلاق والقرار.

ولم يقف تحركه عند حدود الفكرة، بل جسّد ذلك في موقفٍ عمليٍّ في مواجهة الاستهداف الذي تعرضت له اليمن خلال سنوات العدوان والحصار. لقد وضع مشروعه في قلب الصمود، وجعل من دراسة المجتمع ومعالجة أزماته جزءًا من العمل القرآني، فكان في هذا نموذجًا للقيادة التي تتماهى مع واقع الأمة وتحدياتها.

لكن مثل هذه المشاريع النبيلة لا تلقى ترحيبًا عند الطغاة، ولا عند من يستفيدون من انقسام الأمة وضعفها. فتكالبت عليه قوى الداخل والخارج، وجرى التعامل معه كخصمٍ فاعل في ساحات الوعي والصراع. وقد تعلم العالم من تلك المواجهة الأولى أن صمت القادة الحقيقيين لن يُغيّر من واقع الهيمنة شيئًا، وأنها معركةٌ لا تُقدَّر بمن حضر أو غاب، بل بما ترك من أثر في نفوس الأجيال.

وفي يوم استشهاده، لم تنتهِ الرسالة، بل بدأت الحقائق تتكشف، وتترسخ في الأذهان أن لا دولة تُبنى بغياب الوعي، ولا أمة تُنهض بلا استعادةٍ لروح القرآن في الحياة. لقد تحوّل استشهاده إلى رمزٍ للقضية، وصار وجهه في ذاكرة الأمة عنوانًا للصمود، ومرآةً للنقاء، ودعوةً لا تُنسى بأن الحق لا يموت ما دام هناك من يذكره ويعيه ويعمل به.

اليوم، وبعد سنواتٍ من رحيله، لا يزال صدى كلامه يتردّد في أروقة الشعوب الواعية، ولا يزال مشروعه يُستلهم في كل موقفٍ يُحسب فيه الحق على الباطل، وفي كل منبرٍ يسعى لربط الأمة بقيمها الأصلية. لقد انتقل السيد حسين من واقعه الزمني المحدود إلى حضورٍ أبدي في وجدان الأمة، لأنه أضاف إلى الوعي معنى، وإلى الصمود قوة، وإلى المشاركة شعورًا بالمسؤولية.

إن القيم التي حملها لم تكن لحظة عابرة في تاريخ اليمن وحده، بل كانت بوصلة للأمة في زمنٍ ضاع فيه الاتجاه، وتاهت فيه الهويات. لقد أعاد ربط الأمة بإيمانها، وذكّرها بأن القوة الحقيقية لا تُقاس بالجبروت العسكري أو الانبطاح السياسي، بل بالإيمان الصادق، والتطبيق الواقعي لقيم العدل والكرامة.

ومع استمرار المسيرة التي ابتدأها، يثبت الزمن أن استشهاده لم يكن نهاية، بل محطةٌ انطلقت منها قناعاتٌ راسخة، وأجيالٌ مثقفةٌ، ووعيٌ جمعيٌّ لا يقبل بالاستسلام. فصوت الحرية الذي رفعه لم يختفِ، بل تطوّر في صياغاتٍ متعددة تعبّر عن حيوية الأمة في مواجهة الاستبداد بجميع أشكاله.

هنا، في ذكرى استشهاد السيد حسين بدر الدين الحوثي، لا نندب فراقًا، بل نعيّد ميلادًا لوعيٍ لا يُهزم، ونؤكّد أن القادة لا يموتون ما دام أثرهم يستمر في قرارة القلوب. لقد كان صوت القرآن الذي أرعب الطغاة، وسيبقى هذا الصوت رنينًا في مسيرة الأمة نحو الوعي والتحرّر، نحو فهمٍ أصيلٍ لرسالتها، وإلى أن يتحقق ما سعى لأجله من نهضةٍ تُعيد الحياة إلى جوهرها الحقيقي.

الكاتبة من اليمن

قد يعجبك ايضا