من فرعون إلى الإعلام المعاصر: كيف تُدار معركة الوعي قبل إسقاط الطغيان؟

عدنان عبدالله الجنيد …..

لم تكن معركة الحقّ مع الطغيان يومًا مواجهة سيوفٍ فقط، بل صراعًا على الوعي والتوصيف. فالطاغية لا يبدأ قتله بالرصاص، بل بالكلمة، ولا يُسقط خصمه في الميدان قبل أن يُسقطه في الإدراك الجمعي.
من هنا نفهم لماذا كان أول سلاحٍ لفرعون هو التشويه، ولماذا لا تزال هذه الآلة تعمل اليوم بالمنطق ذاته وإن تغيّرت الأسماء والأدوات.
آلة التشويه: حين يُعاد تعريف الضحية
منذ البدايات، سعى الطغيان إلى قلب الحقائق: المقاوم “مخرّب”،والمستضعف “متمرّد”، والطاغية “حامي الاستقرار”.
هكذا وُصف المجاهد عز الدين القسام في الصحف البريطانية بـ”قاطع طريق”، ويُوصَف اليوم من يدافع عن عائلته في جباليا بـ”الإرهابي”.
اللغة لم تتغير؛ الذي تغيّر فقط هو مسرح الجريمة.
النفاق المعاصر: منظومة بوجهين:
إن أخطر ما في الطغيان الحديث أنه لا يعمل منفردًا، بل ضمن منظومة: إعلام يبرّر، وأنظمة تصمت، وأموال تُموِّل. هي ذات المنظومة التي تدفع ثمن صواريخ الدفاع الجوي عن الكيان الصهيوني، بينما تُحكم إغلاق معابر غزة، وتُجرِّم المقاومة باسم الواقعية السياسية.
هذا النفاق ليس انحرافًا عابرًا، بل سياسة مُمنهجة.
رسالة إلى الشعوب: القواعد التي في الخليج… لمن تحمي ولمن تهدد؟
هل تساءل أحدكم يومًا لماذا تتحملون تكاليف باهظة لإقامة قواعد عسكرية أمريكية على أرضكم، بينما تُستخدم هذه القواعد ذاتها لقتل أبنائكم في اليمن والعراق وفلسطين وإيران؟
إنها المفارقة الأكثر إيلامًا: تدفعون من أموالكم لتشغيل قواعد تحمي الصهيوني الذي يقتل إخوانكم، وتضرب المقاومين الذين يدافعون عن مقدساتكم.
هذه القواعد لم تكن يومًا لحماية أمنكم، بل لحماية مصالح المستكبرين وهيمنتهم على ثرواتكم.
كل صاروخ ينطلق منها نحو المقاومة هو رسالة لكم: أنتم مستهدفون بأيديكم. آن الأوان أن تسألوا: هل هذه القواعد تحمينا أم تحمي عدونا منا؟
الوحدة الحقيقية لا تبدأ في القمم، بل في رفض الشعوب أن تكون أوعية لاستباحة إخوانها.
حين تدرك الأمة أن قواعد أمريكا على أرضها هي قواعد لقتل أبنائها، وحين ترفض الشعوب أن تكون درعًا للعدو، عندها فقط تنكسر معادلة الطغيان.
صدمة الوعي: التاريخ لم ينقطع:
هل تعلم أن كثيرًا من الضباط الذين خاضوا معارك الاستعمار في فلسطين الانتدابية هم أنفسهم من وضعوا عقائد مكافحة الإرهاب التي دُرِّست لاحقًا لجيوش المنطقة؟
السؤال ليس: هل تغيّر الجندي؟
بل: هل تغيّر الزي فقط؟
إنها اليد ذاتها تمتد عبر التاريخ، تُعيد إنتاج القمع بأسماء جديدة.
الطغيان لا يموت وحده: حين ينهار العدو من داخله:
لم يهلك فرعون فقط بعصا موسى، بل بانهيار منظومته الداخلية قبل الغرق. الطغيان يحمل بذور فنائه في داخله: فساد، ابتزاز، صراعات نخبوية، وانكشاف أخلاقي.
فضائح الغرب المتتالية، من الجيوش إلى النخب المالية، ليست أحداثًا معزولة؛ وقضية جيفري إبستين مثال صارخ على تعفّن المركز.
إن الله يُمهل ولا يُهمل، والطغيان يأكل نفسه بنفسه قبل أن يُسقِطه المقاومون.
وحدة محور الحق: الضريبة والعائد:
في هذه المرحلة المصيرية، حيث تكشف الغطرسة الأمريكية والصهيونية عن وجهها المتوحش بجريمة اغتيال قادة ميامين أمثال الإمام الصائم، تبرز حقيقة استراتيجية: العدو يظن أنه باغتيال القادة يقتل المشروع، لكنه يجهل سنن الله في التمكين.
كل قطرة دم ترش على أرض الجهاد تتحول إلى بذور مقاومة جديدة، شريطة أن تبقى الصفوف ملتئمة.
إن استمرار جبهة الباطل رغم فسادها الداخلي يعود إلى سبب واحد: تكاتف أتباعها رغم تناقضاتهم.
فكيف بمحور الحق أولى بالوحدة؟
إن معركة الوعي التي نخوضها اليوم لا تكتمل إلا بتشخيص آفات الفرقة وتمزيق مشاريع التفرقة الطائفية والعرقية التي يزرعها العدو.
نحن أمام لحظة تاريخية تتطلب منا جميعاً – كتاباً ومفكرين ومقاومين – أن نرفع الصوت عالياً: لا وحدة دون وعي، ولا نصر دون التئام.
الخلاصة: الوعي أولًا… والنصر نتيجة:
المعركة اليوم ليست فقط على الأرض، بل في العقول.
من يفهم سُنن التاريخ يدرك أن النصر ليس صدفة، بل نتيجة وعيٍ، وصبرٍ، وثبات. وحين تتكامل مقاومة الميدان مع مقاومة الوعي، يصبح سقوط الطغيان مسألة وقت، لا احتمال.

الكاتب من اليمن

قد يعجبك ايضا