لعبة المكونات في بناء أو هدم الدول
د. ماجد الخواجا …..
لا توجد دولة في العالم نقيّة العرق واللون والدين والطائفة والمذهب، وهذا التنوّع والثراء الثقافي يمنح المجتمع حيوية وإثراء وتلاقح للعادات والثقافات بما يعطيها أبعاداً إنسانية حضارية وأخلاقية.
إن الإختلاف هو الأصل بين البشر لا التشابه والتطابق، وقد وردت الآية الكريمة في محكّم التنزيل :
(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير ). (الحجرات: 13).
إن كثيراً من الدول تتباهى بكونها خليطاً متجانساً متعايشاً من عديد من الأقوام والطوائف والمذاهب، وتقدّم ذلك المشهد باعتباره يعبّر عن الغايات العليا للمجتمع، وتنادي بدولة المواطنة التي تحفظ الحقوق والواجبات لجميع أبنائها، سواءً أكانت الحقوق الإقتصادية والإجتماعية، أم الحقوق المدنية والسياسية، ويجيء في أعلى مراتبها حقوق الأمن الإنساني ذي السبع مجالات وتتضمن: الأمن الإقتصادي، الغذائي، الصحّي، البيئي، الشخصي، المجتمعي، والسياسي.
لكن في الدول الهشّة التي لا تستطيع تلبية الإحتياجات الأساسية للمواطنين، والدول ذات الأنظمة المستبدة القائمة على معادلات وتوازنات طائفية واجتماعية وقبلية، مع رفع شعارات جوفاء تصدح بها وسائل الإعلام كلّ صباحٍ، دون التحقق من جدواها ومن مدى تماهيها مع ميول وتطلعات المكونات المجتمعية.
إن الإعلاء من المفاهيم الوطنية العليا الموحّدة لمكونات أي مجتمع، تعتمد على مدى شيوع العدالة في مختلف شؤون الدولة، العدالة في العمل والصحة والسياسة وحق التعبير وتوزيع الموارد والتعليم والتمكين من شغل المواقع الإدارية والسياسية العليا. هذه كلها مع وجود نظام نزيه ومنصف وإنساني، ومع تلبية الحاجات الرئيسة، تصبح مطالب المكونات والفرعيات المجتمعية جزءاً من مطالب المجتمع بأسره، وليست مطالب إنفصالية أو إنعزالية.
هذه المقالة جاءت بعد بدء الحديث عن تمكين الأقليات في إيران من أجل زعزعة النظام والعمل على إسقاطه، ترى ما معنى انتهازية الأوضاع والسعي للإنفصال عن الدولة الأم، هل يعود ذلك لعدم مقدرة الدولة على بناء المواطنة الحقّة، أم يعود بسبب التمييز والإستبداد ضد مكونات بعينها، أم يعود لتشبّث المكونات بهويتها وحق تقرير مصيرها، أم يعود لإنتهازية معيبة لدى الأقليات عند ضعف الدولة، فتهبل الفرصة لقضم ما يمكن لها من أراضٍ وموارد ومقدرات في ظل غياب السيادة للدولة.
يبدو أن تلك الاحتمالات واردة جميعها، ضمن اشتراطات ومحددات لبروزها وظهورها على سطح المجتمع، فإذا كان حقاً طبيعياً للغالبية أن تثور أو تعلن الولاء، أن تتبنى أو تتخلى، أن تمنح أو تحرم، ما الذي يمنع الأقليات من المطالبات ذاتها.
إنها أسئلة حاول المفكرون والفلاسفة طيلة عقودٍ مضت، البحث عن إجابات لمفاهيم، الدولة والديمقراطية والمواطنة والقومية والطائفة والمذهب والوطنية. مفاهيم تباينت بين حالات المطالبة بالإستقلال والإنفصال، وبين الوحدة والإندماج والتمازج في مكونات المجتمع والدولة الواحدة.
إن النظام السياسي الذي يهيمن على السلطة لعشرات السنين، فارضاً رؤية وتاريخ وجغرافيا ووقائع حسب أهوائه ورغباته، لكن ما أن يسقط أو يضعفن حتى تتوالد الدعوات الباحثة عن الحرية والرافضة لكل ما كان سائداً طيلة السنوات. هذا يدلل بأن أية دولة تريد حقاً بناء مجتمع متعايش وعادل، عليها أن تقف على مسافةٍ واحدةٍ مع مكوناتها، وأن تزرع بالمحبة دوائر الولاء والإنتماء للإنسانية ابتداءً، فالوطن، فالعشيرة، فالأسرة، فالفرد.
لقد شاهدنا كيف بعد أكثر من خمسن عاماً على قيادة دولة مجاورة من قبل عائلة، أن كادت تتفكك لأقاليم وكانتونات منعزلة كارهة لجيرانها ومعادية لأقرب الناس إليها. والحديث يطول ولا ينتهي.
الكاتب من الأردن