فادي السمردلي يكتب: إدارة الدين العام ترحيل الأزمات والأعباء إلى الأجيال القادمة
بقلم فادي زواد السمردلي …..
*#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال*
لم يعد النقاش حول الدين العام ترفًا اقتصاديًا أو شأنًا تقنيًا يقتصر على المختصين، بل أصبح قضية سياسية وأخلاقية بامتياز، تمس حاضر المجتمع ومستقبل أجياله القادمة فطريقة إدارة الدين العام تكشف بوضوح طبيعة الخيارات التي تتبناها الدولة، وحدود مسؤوليتها تجاه مواطنيها، ومدى التزامها بمبدأ العدالة بين الحاضر والمستقبل وفي الحالة الأردنية، يفرض المسار التصاعدي للدين العام نقدًا أكثر حدّة لنهج إدارة هذا الملف، بعيدًا عن التبرير أو التخفيف.
المشكلة الأساسية في الدين العام لا تكمن في وجوده، بل في تحوّله إلى أداة دائمة لتأجيل الأزمات بدل حلّها فالاستدانة، التي يُفترض أن تكون خيارًا استثنائيًا ومحدودًا بزمن وغاية واضحة، أصبحت نهجًا متكررًا لسد عجز مزمن في الموازنة وهذا النمط من الإدارة لا يعالج الخلل، بل يُراكمه، ويحوّل الدين إلى كرة ثلج تتضخم مع مرور الوقت، بينما تُرحَّل كلفتها إلى المستقبل.
الأخطر أن جزءًا كبيرًا من الدين لا يُستخدم في مشاريع إنتاجية قادرة على توليد عوائد اقتصادية أو خلق فرص عمل مستدامة، بل يُوجَّه لتغطية نفقات جارية، ورواتب، وعجز تشغيلي متكرر. هذا الاستخدام يُفرغ الاستدانة من أي قيمة تنموية، ويجعلها أشبه باقتراض استهلاكي طويل الأمد والنتيجة أن الأجيال القادمة ستُطالب بسداد ديون لم تُسهم في تحسين قدرتها الاقتصادية أو رفع جودة حياتها.
إدارة الدين بهذا الشكل تعكس غياب رؤية اقتصادية طويلة المدى، وتعتمد على منطق “إدارة اليوم بيومه” بدل التخطيط للمستقبل.فالسياسات المالية قصيرة النفس قد تُجنّب صانع القرار ضغط اللحظة، لكنها تخلق أعباء مضاعفة لاحقًا ومع كل موازنة جديدة، يزداد الاعتماد على الاقتراض، فيما تتقلص المساحة المتاحة للإنفاق التنموي، وتُصبح خدمة الدين بندًا ثابتًا يعلو فوق أي أولوية أخرى.
كلفة الدين لا تُقاس فقط بحجمه، بل بما يفرضه من قيود على القرار السيادي والاقتصادي. فارتفاع فوائد الدين يستنزف الموارد العامة، ويحدّ من قدرة الدولة على الاستثمار في التعليم، والصحة، والبنية التحتية، وهي القطاعات التي تُشكّل أساس أي تنمية حقيقية ومع مرور الوقت، تتحول الدولة من فاعل تنموي إلى جهة تُدير التزاماتها المالية فقط، فيما تتراجع قدرتها على تحسين مستوى معيشة المواطنين.
أما من زاوية العدالة بين الأجيال، فإن استمرار هذا النهج يطرح إشكالية عميقة فالأجيال القادمة ستُواجه خيارات أكثر قسوة، ضرائب أعلى، إنفاق أقل، وفرص تنموية محدودة، فقط لسداد ديون سابقة وهذا الواقع لا يمكن تبريره باعتباره “ضرورة مرحلية”، لأنه يُحمّل المستقبل كلفة قرارات لم يكن شريكًا فيها، ويُقوّض فكرة التنمية المستدامة من أساسها.
يزداد هذا الخلل حدة في ظل ضعف النقاش العام حول سياسات الدين فقرارات الاقتراض، وشروطه، وآجاله، وأوجه إنفاقه، لا تحظى دائمًا بنقاش مؤسسي معمّق أو رقابة كافية قإدارة الدين العام ليست مسألة محاسبية محضة، بل خيار سياسي له تبعات اجتماعية واقتصادية بعيدة المدى، ويجب أن يكون خاضعًا للمساءلة والشفافية، لا محاطًا بالغموض أو التبرير التقني.
كما أن ربط إدارة الدين بإصلاح اقتصادي حقيقي ما يزال محدودًا. فالإصلاح لا يتحقق عبر ضبط أرقام أو إعادة جدولة التزامات، بل عبر توسيع القاعدة الإنتاجية، وتحسين كفاءة الإنفاق، ومواجهة الاختلالات البنيوية التي تولّد العجز أصلًا. دون ذلك، ستبقى الاستدانة وسيلة لتأجيل المشكلة، لا حلّها.
في المحصلة، فإن إدارة الدين العام في صورتها الحالية تمثّل سياسة ترحيل للأزمات أكثر مما هي أداة تنمية وهي سياسة قد تبدو أقل كلفة في المدى القصير، لكنها باهظة الثمن على المدى الطويل فالنقد هنا ليس للدين بحد ذاته، بل لغياب الجرأة في تغيير النهج، وللاستمرار في تحميل المستقبل أعباء الحاضر فالدولة التي لا تُحسن إدارة دينها، تُقايض استقرار الغد براحة مؤقتة اليوم، وهذه مقايضة لا يدفع ثمنها صانعو القرار، بل الأجيال القادمة.
الكاتب من الأردن