شهيدُ القرآنِ السيدُ حسينُ بدرِ الدينِ الحوثيّ (سلامُ اللهِ عليه)،نذرَ حياتَه وموتَه لله، وعظُمَ اللهُ في قلبِه، فهانَ عليه ما سواه
طوفانُ الجنيد …..
ليس بغريبٍ على أعلامِ الهدى وسُلالةِ الأطهار أن يُخلِّدوا ويُخلَّدوا تاريخًا من العظمةِ والرفعةِ والسُّمو؛ فها نحنُ في رحابِ ذكرى استشهادِ حليفِ القرآن، ومُجدِّدِ الإيمان، ومُحيي الأمة من سباتِها، سيدي ومولاي السيد حسين بدر الدين الحوثي (سلامُ ربي عليه)، وجزاه اللهُ عنّا بأفضلِ وأتمِّ وأحسنِ وأكملِ ما جازى به علَمًا من أعلامِ الهدى عن أمته.
الشهيدُ القائدُ عرفَ اللهَ حقَّ معرفتِه من خلال كتابِه القرآنِ تكريمًا، وآياتِه في الوجود؛ فعظُمَ اللهُ في قلبِه، وهانَ عليه كلُّ ما سواه.
ومهما كانت العوائقُ والتحديات، أصبحتِ التضحيةُ في سبيلِ الله، والمبادئِ والقيمِ الإنسانيةِ السامية، كلَّ همِّه ومرادِه. هذه المعادلةُ الإيمانيةُ العميقةُ ترجمها الواقعُ العملي، وكيف تحوَّل القرآنُ إلى منهاجِ حياةٍ لدى اليمنيين، ومن الجهادِ في سبيلِ الله لإعلاءِ كلمتِه ونصرةِ المستضعفين غايةَ الوجود.
الشهيدُ القائدُ السيدُ حسينُ بدرُ الدينِ الحوثيّ (رضوانُ اللهِ عليه)، مؤسِّسُ المشروعِ القرآني وقائدُ المسيرة، شكَّل بحياتِه واستشهادِه نموذجًا حيًّا لهذا المبدأ. كانت مسيرتُه تجسيدًا عمليًّا لتمكينِ العقيدةِ في قلبِ الأمة، مما جعله يقفُ بثباتٍ أمام أعتى التحديات، مخلصًا للأمة، منطلقًا من القرآن لإحيائِها.
من مرّان انطلقت الصرخة:
بدايةُ المشروعِ القرآني وشُعاعُ النورِ والهُدى
في ظروفٍ عانت فيها الأمةُ من وطأةِ الاستكبارِ العالمي والهيمنةِ الأمريكية، وكادت أن يستحكمَ الضعفُ والذلُّ على الأمة، جاءت انطلاقةُ المشروعِ القرآني. وفي 17 يناير 2002م، أعلن السيدُ حسينُ بدرُ الدينِ الحوثيّ «الصرخةَ في وجهِ المستكبرين» من مدرسةِ الإمامِ الهادي (عليه السلام) في منطقةِ مرّان بمحافظةِ صعدة.
لم تكن تلك الصرخةُ ردَّ فعلٍ عابرًا، بل كانت بدايةَ مشروعٍ نهضويٍّ متكامل، تزامن مع أحداثِ الحادي عشر من سبتمبر وما تلاها من عدوانٍ أمريكيٍّ مباشر على أفغانستان والمنطقة.
وقد وضع الشهيدُ القائدُ منذ البداية قضيتين أساسيتين:
رفعُ شعارِ مواجهةِ الاستكبار:
«الله أكبر، الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام»، وهو الشعارُ الذي لاقى قبولًا كبيرًا لدى العامة، وذاع وانتشر ليعمَّ المساجدَ والأماكنَ والمجالسَ العامة في صعدة وباقي المحافظات.
الدعوةُ إلى مقاطعةِ البضائعِ الأمريكيةِ والإسرائيلية كواجبٍ دينيٍّ وموقفٍ عمليٍّ.
كان الهدفُ الأساسيُّ هو نشرَ الوعيِ القرآني، وتبصيرَ الأمةِ بواقعِها، وبناءَ مشروعٍ عمليٍّ يستنهضُ هممَها لمواجهةِ المشاريعِ الاستعماريةِ التي تستهدفُ وجودَها وهويتَها.
بعضٌ من سيرةِ الشهيدِ القائد:
كان السيدُ حسينُ بدرُ الدينِ الحوثيّ حفيدَ الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين (عليه السلام)، وسليلَ بيتِ النبوةِ والعلمِ والجهاد. وقد جمعَ بشخصيتِه بين صفاتِ القائدِ العسكري، والقائدِ السياسي، والمرشدِ الديني، حيث كان له حضورٌ بارزٌ في العملِ السياسيِّ والاجتماعي قبل انطلاقةِ المشروعِ القرآني، من خلال المشاركةِ في حزبِ الحق وعضويةِ مجلسِ النواب.
إلا أنه تميَّز برؤيةٍ شاملة، جعلت حركتَه تعبيرًا عن شعورٍ عميقٍ بالمسؤولية تجاه الأمة في لحظةٍ تاريخيةٍ حرجة، وليس مجردَ ردِّ فعلٍ على ظرفٍ سياسيٍّ عابر.
لقد قرَّر الانطلاقَ بمشروعِه الإحيائي عندما رأى شعوبَ الأمةِ مستهدَفةً في كلِّ حياتِها وبلدانِها، تعيشُ مرحلةً من «الاستضعافِ والشتاتِ والفُرقة»، بينما تتوغَّلُ الهيمنةُ الأمريكيةُ والصهيونيةُ في مقدَّراتِها.
فجاء مشروعُه منسجمًا مع هويةِ الشعبِ اليمني وانتمائِه الإيماني، وليس مشروعًا دخيلًا، ينطلقُ من الكلمةِ السواء التي يجتمعُ عليها كلُّ المسلمين: العودةُ إلى القرآنِ الكريم.
على دربِ الأجداد: ارتباطٌ تاريخيٌّ بنموذجٍ قياديّ:
يُعدُّ الإمامُ الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين (عليه السلام) نموذجًا تاريخيًّا جمع بين العلمِ الواسع، والجهاد، وإدارةِ الدولة، والزهد، والاهتمامِ بالرعية. فقد أسَّس لمرحلةٍ إسلاميةٍ جديدةٍ في اليمن، تميَّزت بإصلاحِ ذاتِ البين بين القبائلِ المتناحرة، وإقامةِ العدل، والحرصِ على الفقراء والمساكين، وقد وُصف بأنه «أهمُّ شخصيةٍ في المذهبِ الزيدي» بعد الإمامِ زيد (عليه السلام).
إن الارتباطَ الروحيَّ والتاريخيَّ بين المشروعِ القرآنيِّ المعاصر وهذا النموذجِ الإمامي واضحٌ؛ فالسيدُ حسينُ الحوثي حفيدُ الإمامِ الهادي، وقد انطلق من مدرسةِ أهلِ القرآن من آلِ بيتِ النبيِّ المختار، وسار على ما سار عليه آباؤه وأجدادُه في السعي لإصلاحِ واقعِ الأمة، والتصدِّي للانحرافِ الفكريِّ والثقافي، والتحركِ من منطلقِ الشعورِ بالمسؤوليةِ الدينيةِ والإنسانية.
الإرادةُ الإيمانيةُ للشهيدِ القائد أمام العواصف:
واجه المشروعُ القرآني منذ أيامِه الأولى حربًا شاملة، بدأت بمحاولاتِ وأدِ صوتِه عبر اعتقالِ أصحابه الذين كانوا يصرخون في المساجد، ومحاولاتِ إسكاتِ خطابِه ووأدِ مشروعِه الفكريِّ التنويريِّ النهضوي. وعندما فشلت تلك المحاولات، تحوَّلت المواجهةُ إلى عدوانٍ عسكريٍّ مباشر، استهدف الشهيدَ القائدَ والثُلَّةَ المؤمنةَ التي كانت معه في جبلِ مرّان، وانتهى هذا العدوانُ باستشهادِه في الحربِ الأولى، ليرتقي شهيدًا عظيمًا خالدًا.
لقد ظنَّ أعداؤه، أذنابُ أمريكا آنذاك، أنهم بتصفيةِ القائد قد أنهَوا المشروع، حتى إنهم بشَّروا السفيرَ الأمريكيَّ في صنعاء بذلك.
لكن المحصِّلة جاءت على النقيض تمامًا؛ إذ تحوَّل استشهادُه إلى نقطةِ تحوُّلٍ في تعميقِ واتساعِ المسيرةِ القرآنية، بقيادةِ أخيه السيدِ القائدِ عبد الملك بدر الدين الحوثي (سلامُ اللهِ عليه وحفظه الله).
لقد أثبتت الأحداثُ أن المشروعَ القرآني «كلما حورِب ازداد قوةً وتمكينًا». واستمرَّ المشروعُ وتجذَّر، ليكون دليلًا حيًّا على أن الفكرةَ التي تستمدُّ قوتَها من عمقٍ إيمانيٍّ قرآني لا تُقتل بقتلِ الأشخاص، بل تتحوَّل دماءُ شهدائِها إلى زادٍ للاستمرارِ والتقدُّم.
خلاصة:
الشهيدُ القائدُ نموذجٌ لإحياءِ الأمة
إن مسيرةَ الشهيدِ القائدِ حسينِ بدرِ الدينِ الحوثي تقدِّم لنا نموذجًا عمليًّا مُلهمًا لمعنى أن تكبُرَ قيمةُ الله في القلب، فتتضاءلَ أمامَها كلُّ الصعاب. لقد كان نموذجًا للمؤسِّس الذي يضعُ اللبناتِ الأولى والمتينة لمشروعٍ عظيم، من منطلقِ الإيمانِ بالمسؤولية، ونموذجًا للقائدِ الذي يتحمَّلُ التبعات ولا يتزعزعُ إيمانُه.
مشروعُه لم يكن مجردَ موقفٍ سياسي، بل كان مدرسةً قرآنيةً إحيائية، سعت إلى تصحيحِ المفاهيم، وإعادةِ الأمة إلى قرآنِها، وزرعِ الشعورِ بالمسؤولية فيها.
إن استمرارَ هذا المشروع وتأثيرَه، رغم كلِّ المحن، يؤكِّد أن البناءَ القرآنيَّ الأصيل هو الطريقُ الوحيدُ لخروجِ الأمة من حالةِ الضعفِ والهوان إلى موقعِ الفاعليةِ والقوة. وفي ذكرى المؤسِّس والصرخة، يبقى الدرسُ الأكبر: أن النهضةَ الحقيقية تبدأ من القلبِ المؤمن الذي يعظِّم ربَّه، فيصبحُ كلُّ ما سواه — مهما عظُم — هينًا.
وكيف لا، وقد قال اللهُ تعالى في محكمِ كتابِه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.
.
الكاتب من اليمن