فادي السمردلي يكتب: هدم الرمزية قبل الحجر والشهيد صفي التل ليس مبنى عابرًا
بقلم فادي زواد السمردلي . ….
*#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال*
لم يكن اسم وصفي التل يومًا لافتة معلّقة على جدار مدرسة، ولا عنوانًا إداريًا يمكن شطبه أو الالتفاف عليه ببيان توضيحي فوصفي التل هو أحد أعمدة الهوية الوطنية الأردنية، ورمز من رموز الدولة التي تأسست على فكرة العمل والانتماء والسيادة ومن هنا، فإن أي قرار يمس مؤسسة تحمل اسمه — ولو جزئيًا — لا يمكن التعامل معه كإجراء فني أو تفصيلي، بل كفعل سياسي وثقافي وأخلاقي يستوجب المساءلة.
إن قرار هدم مشاغل مدرسة الشهيد وصفي التل الصناعية في إربد، مهما كانت المبررات التخطيطية أو البلدية التي سيقت له، يعكس استخفافًا خطيرًا بقيمة الرموز الوطنية في الوعي الجمعي الأردني فالمدرسة ليست مجرد أرض، بل مساحة تربوية تشكّل امتدادًا عمليًا لفلسفة وصفي التل نفسه العمل، الإنتاج، وبناء الإنسان قبل تزيين المكان.
المفارقة الصادمة أن يُبرَّر الهدم باسم “التطوير” و”التجميل الحضري”، وكأن التنمية تُقاس بعدد الحدائق لا بعدد الأيدي العاملة المؤهلة، وكأن المدن تُبنى بإزالة مؤسساتها التعليمية لا بحمايتها وتحديثها فأي منطق هذا الذي يرى في المشاغل الصناعية عبئًا بصريًا، لا رافعة اقتصادية واجتماعية؟ وأي تخطيط حضري يقدّم الشكل على الجوهر، والخرسانة الخضراء على الإنسان؟
الأخطر من ذلك أن المساس بمرافق مدرسة صناعية هو مساس مباشر بشريحة غالبًا ما تُهمّش في الخطاب الرسمي فطلبة التعليم المهني والتقني ليسوا أرقامًا في سجلات، بل شباب اختاروا مسارًا عمليًا يخدم السوق والاقتصاد الوطني فهدم المشاغل يعني تعطيل التدريب، وإضعاف المهارات، وإرسال رسالة قاسية مفادها أن هذا النوع من التعليم قابل للتضحية عند أول مخطط تنظيمي.
أما على المستوى الرمزي، فإن التعامل مع مدرسة تحمل اسم وصفي التل بهذه الطريقة يكشف خللًا عميقًا في فهم معنى الرموز الوطنية فوصفي التل لم يكن رجل مكاتب ولا شعارات، بل رجل مشروع وطني قائم على الاعتماد على الذات، وعلى احترام العمل المهني والصناعي فكيف يُقبل أن يُفرَّغ إرثه من مضمونه العملي، ويُختزل اسمه في جدران تُترك بينما تُهدم الروح التي قامت المدرسة من أجلها؟
إن الحفاظ على المبنى الرئيسي وحده لا يبرئ القرار فالرمزية لا تسكن في الحجر فقط، بل في الوظيفة والدور والرسالة والمدرسة الصناعية دون مشاغل ليست سوى قشرة فارغة، تمامًا كما أن الحديث عن الوطنية دون حماية مؤسساتها هو خطاب بلا مضمون.
ما جرى ليس مجرد خطأ إداري، بل سابقة خطيرة تفتح الباب للتطبيع مع فكرة أن الذاكرة الوطنية يمكن التفاوض عليها، وأن أسماء الشهداء يمكن استخدامها كديكور لا كالتزام وهذا ما يجب أن يُرفض بوضوح، لا من باب العاطفة، بل من باب المسؤولية تجاه الهوية الأردنية نفسها.
إن إعادة النظر في هذا القرار ليست ترفًا، بل ضرورة وطنية فالدول التي تحترم رموزها لا تبدأ “التطوير” بهدم مدارسها، ولا تحتفي بأسمائها بينما تفرغها من معناها فالشهيد وصفي التل أكبر من مخطط، وأبقى من قرار، وأعمق من أن يُختصر في بيان توضيحي.
الكاتب من الأردن