تصريحات حازم قاسم… واستدارة حماس نحو إدارة أمريكية لقطاع غزة
عمران الخطيب …..
أثارت تصريحات حازم قاسم، المتحدث باسم حركة حماس في قطاع غزة، جدلًا واسعًا بعد تجاوبه مع طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتعلق بتشكيل مجلس لإدارة قطاع غزة، برئاسة ومرجعية أمريكية، وتشكيل مجلس من التكنوقراط لإدارة القطاع، حيث أشار قاسم إلى أن حكومة حماس قد تسلّم مهامها بناءً على هذه الخطوة في حال إقرارها من قبل الإدارة الأمريكية.
وتأتي هذه التصريحات في سياق سياسي أوسع، يتقاطع مع ما طُرح في قمة شرم الشيخ، ويتناغم مع تصريحات سابقة لعدد من قيادات حماس، كان أبرزها ما صدر عن خالد مشعل قبل أيام، حين دعا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى “تجربة حماس”، على غرار ما قام به مع الرئيس السوري أحمد الشرع. وقد اعتبر مشعل أن لا أحد أفضل من أحد، في إشارة إلى سوابق تاريخية شهدت تعاونًا مباشرًا بين جماعة الإخوان المسلمين والقوات الأمريكية في أفغانستان لسنوات طويلة، وهو ما لا يمكن تجاهله عند قراءة هذا الخطاب السياسي الجديد.
كما لا يمكن فصل هذه المواقف عن تجربة الحزب الإسلامي في العراق، الذي شارك – ممثلًا عن الإخوان المسلمين – في العملية السياسية التي أدارها الحاكم الأمريكي بول بريمر عقب العدوان الأمريكي واحتلال العراق، إلى جانب أحزاب عراقية أخرى. لذلك، لم يكن مفاجئًا أن تصدر مواقف من قيادات حماس في غزة وقطر وتركيا تتقاطع أو تدعم توجهات الرئيس دونالد ترامب.
لكن المؤسف حقًا أن تأتي هذه التصريحات في هذا التوقيت الحرج، كاستجابة مباشرة للرئيس ترامب، بعد العدوان الإسرائيلي الوحشي والإبادة الجماعية التي تعرض لها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة عقب السابع من أكتوبر. وكان من الممكن، ومنذ سنوات طويلة من الحوارات الفلسطينية الداخلية، أن تقدم حماس تنازلات أقل بكثير مما تطرحه اليوم للإدارة الأمريكية وإسرائيل، مقابل الحفاظ على وجودها أو دورها، بدل انتظار فرصة قد تمنحها الإدارة الأمريكية دورًا ثانويًا في ظل صراع على سلطة منقوصة السيادة الوطنية.
وإذا كانت منظمة التحرير الفلسطينية قد قبلت سابقًا باتفاق أوسلو سيّئ الذكر، فإن حركة حماس تقبل اليوم – في الحد الأدنى – بدور أشبه بـ“حرس حدود”، مع التعهد بحماية المستوطنات المحيطة بقطاع غزة، وفقًا لتصريحات موسى أبو مرزوق. وقبل ذلك، عبّر خليل الحية عن طموحه بمصافحة المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف في حال التوصل إلى اتفاق، وهو ما تحقق لاحقًا، ليس فقط عبر المصافحة، بل بتبادل مشاعر إنسانية حزينة، بعد فقدان الطرفين أبناءً في ظروف مختلفة.
إن هذه الحالة الكارثية التي يعيشها شعبنا الفلسطيني، وخاصة أهلنا في قطاع غزة الذين يسكنون الخيام تحت ظروف إنسانية ومناخية قاسية، هي نتيجة مباشرة للعدوان الإسرائيلي الذي اتخذ من السابع من أكتوبر ذريعة لممارسة جرائمه الفاشية. وفي هذا السياق، تقع على حركة حماس مسؤولية تاريخية كبرى، لا تقتصر على تقديم الاعتذار للشعب الفلسطيني، وخصوصًا لأهل غزة، وللشهداء والجرحى والمصابين والمعتقلين، بل تتجاوز ذلك إلى ضرورة الانسحاب من المشهد السياسي بعد النتائج الكارثية التي آلت إليها الأوضاع.
ويُذكّر هنا بأن حركة حماس رفضت، خلال حوار الجزائر، الموافقة على تشكيل حكومة وحدة وطنية تلتزم بقرارات الشرعية الدولية، وكان من أبرز المعارضين لذلك خليل الحية، نائب رئيس الحركة، رغم أن الاتفاق حظي بمشاركة مختلف الفصائل الفلسطينية، ضمن حوار وطني شامل يهدف إلى تشكيل حكومة فلسطينية موحدة، وإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية وانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني.
وقد جاء حوار الجزائر ضمن سلسلة طويلة من الحوارات الفلسطينية التي عُقدت في القاهرة، ومكة المكرمة، وصنعاء، ولبنان، وروسيا، والصين الشعبية. واليوم، نجد أنفسنا ننتظر “فرصة” أو “منحة” من الرئيس دونالد ترامب، وهي على الأرجح لم تعد مجانية، ما يستدعي إعادة النظر الجادة في المسارات السابقة، والخروج من الحسابات الخاطئة، والاتجاه نحو حسابات وطنية خالصة تخدم شعبنا الفلسطيني الذي لا يزال يرزح تحت الاحتلال الإسرائيلي العنصري.
إن المرحلة الراهنة تتطلب مراجعة وطنية فلسطينية شاملة للمسار السياسي، تقوم على استخلاص الدروس، وتحمل المسؤوليات، وإعادة الاعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني.
عمران الخطيب
[email protected]
الكاتب من الأردن