*الأطماع السعودية في الجنوب اليمني*

د. أحمد العرامي   …..

 

عند دراسة وتحليل الأطماع السعودية في حضرموت وعدن، نجد أنها ليست مجرد رغبة توسعية عشوائية، بل مشروع يقوم على ثلاث ركائز مترابطة، تشكل في مجموعها عقيدة الأمن القومي للمملكة منذ تأسيسها، وتبدأ هذه المنظومة بالركيزة الجيوسياسية التي تمثل الهاجس الوجودي الأكبر لصناع القرار في الرياض، والمتمثلة في ضرورة كسر “الطوق الجغرافي” للخليج ومضيق هرمز، والوصول المباشر إلى المياه المفتوحة في بحر العرب والمحيط الهندي، حيث تنظر السعودية إلى حضرموت وعدن باعتبارهما “الرئة البديلة” التي تتيح لها تصدير النفط وتأمين خطوط الإمداد بعيداً عن التهديدات بإغلاق محتمل للمضائق، مما يجعل السعي لمد أنبوب نفط عبر الأراضي اليمنية إلى ميناء في المهرة أو حضرموت هدفاً استراتيجياً ثابتاً لا يتغير بتغير الزمن.
وبالتوازي مع الهاجس الجغرافي، تعمل الركيزة الاقتصادية كمحرك قوي لهذه الأطماع، وهي لا تقتصر فقط على السيطرة المادية على طرق التجارة والموانئ الاستراتيجية في عدن والمكلا، بل تمتد لتشمل هدفاً أكثر عمقاً يتمثل في محاولة الاستفادة من “القوة الناعمة الجبارة” لاحتواء التواجد الحضرمي في جنوب وشرق آسيا، فالرياض تدرك أن الحضارمة في إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة يملكون شبكات تجارية ونفوذاً سياسياً واجتماعياً هائلاً، وتسعى من خلال السيطرة على حضرموت إلى وضع يدها على هذه الشبكات وتوظيفها لخدمة مصالحها الاقتصادية وتوسيع نفوذها في الأسواق الآسيوية، معتبرة أن من يحكم حضرموت يملك مفاتيح التأثير في تلك المجتمعات التجارية العريقة.
ولتهيئة الأرضية لهذه السيطرة السياسية والاقتصادية، استندت الاستراتيجية السعودية إلى الركيزة المذهبية كأداة للتغيير الديني والثقافي، عبر محاولات مستميتة لتصدير الفكر الوهابي إلى البيئة الحضرمية الصوفية الشافعية، بهدف تفكيك البنية الاجتماعية المتماسكة التي ترتكز على تراتيب دينية يقودها السادة العلماء، وخلق تيار عقائدي موالٍ للرياض ، وقد تجسدت هذه الركائز الثلاث مجتمعة في الحدث التاريخي الأبرز عام ١٩٣٦، حين قام الجاسوس البريطاني مسستشار الملك عبد العزيز، جون فيلبي( الحاج عبدالله)، بزيارته الشهيرة إلى حضرموت مصطحباً معه وزير المالية السعودي، في دلالة واضحة على تلازم المسار الاستخباراتي (الجيوسياسي) والمالي (الاقتصادي) لشراء الولاءات، وهي الخطوة التي اصطدمت بمقاومة من رموز المجتمع الحضرمي، وعلى رأسهم السيد أبو بكر بن شيخ الكاف ومشيخات الطرق الصوفية الذين رفضوا هذا الاختراق الفكري والسياسي، وتكاملت مقاومتهم مع الموقف الصارم للإمام يحيى حميد الدين في صنعاء، الذي وقف سداً منيعاً أمام هذه التحركات، رافضاً أي نفوذ سعودي في الشطر الجنوبي، لأنه اعتبر التفريط في حضرموت خنق اليمن بأكمله.

الكاتب من اليمن

قد يعجبك ايضا