فادي السمردلي يكتب: سائقي التطبيقات في الأردن بين مطرقة الغلاء وسندان غياب الحماية
بقلم فادي زواد السمردلي ….
*#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال*
لم يعد مشهد سائقي التطبيقات الذكية في شوارع الأردن مجرد تفصيل عابر في الحياة اليومية، بل أصبح صورة واضحة لواقع اقتصادي واجتماعي مضطرب.
فآلاف السيارات التي تجوب الطرقات ليلًا ونهارًا يقودها شباب وكهول، لكل واحد منهم قصة مختلفة، لكن القاسم المشترك بينهم واحد البحث عن لقمة العيش في ظل فرص عمل شحيحة وظروف قاسية فالعمل على التطبيقات لم يعد “خيارًا إضافيًا” كما كان يُروَّج له في البداية، بل تحوّل إلى مهنة أساسية يعتمد عليها عشرات الآلاف لإعالة أسرهم، ومع ذلك ما زال هذا القطاع يعيش في منطقة مهملة تشريعيًا، ومجحفة إنسانيًا.
أكبر ما يثقل كاهل سائقي التطبيقات هو غياب الحماية الاجتماعية الحقيقية فالسائق يعمل وكأنه موظف كامل الالتزام، لكنه يُعامل قانونيًا على أنه “شريك مستقل”. هذه المعادلة غير العادلة تعني شيئًا واحدًا بأن السائق يتحمل كل المخاطر وحده لا تأمين صحي محترم، لا ضمان اجتماعي إلزامي، لا تعويض إذا مرض أو أصيب أو تعطلت سيارته فإذا توقفت السيارة عن العمل لأي سبب، يتوقف الدخل فورًا وإذا تعرّض السائق لحادث، يجد نفسه وحيدًا في مواجهة التكاليف والعواقب وهذا الوضع لا يمكن اعتباره طبيعيًا أو عادلًا في بلد يتحدث دستوره وقوانينه عن العدالة الاجتماعية وكرامة الإنسان.
ثم يأتي الجانب الاقتصادي ليكشف عمق الأزمة أكثر فدخل سائقي التطبيقات متذبذب إلى حد كبير، وقد يصبح يوم العمل الطويل بلا قيمة تقريبًا إذا كان الطلب ضعيفًا أو الحركة قليلة فكثير من السائقين يعملون أكثر من عشر ساعات يوميًا، ومع ذلك بالكاد يستطيعون تغطية مصاريفهم الأساسية فالعمولة التي تقتطعها الشركات من كل رحلة مرتفعة، ومع كل مشوار هناك جزء من الجهد يذهب لغير السائق وأضف إلى ذلك تكاليف الوقود المتزايدة، وصيانة السيارة، وتغيير الإطارات، والزيوت، والتأمين، والترخيص، وأقساط المركبة لمن اشتراها بالدَّين ففي نهاية الشهر، يكتشف كثير من السائقين أنهم عملوا بلا توقف تقريبًا ليخرجوا بمردود متواضع لا يتناسب مع التعب والوقت المستنزف.
الأمر الأكثر إيلامًا أن السائق الملتزم بالقانون يشعر أحيانًا أنه يُعاقَب بدلًا من أن يُكافَأ فالرسوم المطلوبة للترخيص، والاشتراطات المفروضة عليه، كلها أعباء إضافية، بينما يعمل آخرون خارج الإطار القانوني بلا رقابة حقيقية وهذا يخلق شعورًا بالظلم ويدفع البعض إلى التساؤل لماذا ألتزم إذا كان الالتزام سيجعل وضعي أسوأ؟ وهنا تكمن خطورة الأمر، لأن غياب العدالة في التنظيم يضر بالسائق، ويضر بالسوق، ويضر بثقة الناس بالقانون.
الحكومة هنا ليست معزولة عن المسؤولية فلا يمكن اعتبار هذا القطاع هامشيًا أو مؤقتًا بعد الآن فسائقي التطبيقات أصبحوا جزءًا من بنية الاقتصاد والخدمات في البلد، وأي تجاهل لحقوقهم هو تجاهل لواقع اجتماعي واسع والمطلوب أولًا هو الاعتراف الرسمي بأن هؤلاء السائقين هم عمال حقيقيون، لهم حقوق كما عليهم واجبات فهذا الاعتراف يجب أن ينعكس في تشريعات واضحة تُلزم الشركات بالمساهمة في الضمان الاجتماعي، وتوفير تأمين حقيقي ضد الحوادث، وضمان حد أدنى من الحماية الصحية.
كما يجب على الحكومة أن تتدخل لضبط العلاقة بين الشركات والسائقين، وألا تتركها لقانون الأقوى فوضع سقف عادل للعمولات، ومراجعة الرسوم المفروضة على السائقين، وتخفيف الأعباء عن الملتزمين بالقانون، كلها خطوات ضرورية إذا كان الهدف هو تحقيق التوازن لا الجباية فقط ومن المهم أيضًا أن يكون لسائقي التطبيقات صوت مسموع في أي حوار أو قرار يخص مستقبل هذا القطاع، لا أن تبقى الطاولة محصورة بين الجهات الرسمية والشركات الكبرى فقط.
قضية سائقي التطبيقات ليست قضية مهنية ضيقة، بل هي قضية كرامة وعدالة اجتماعية فعندما يعمل الإنسان لساعات طويلة دون أمان وظيفي أو اجتماعي، فهذا ليس “اقتصادًا حديثًا” بل شكل جديد من أشكال الاستغلال المغلّف بالتكنولوجيا فإذا كانت الدولة جادة في بناء مجتمع متوازن، فعليها أن تبدأ من هنا من حماية من يعملون بصمت في الشوارع ليؤمّنوا حياة كريمة لأنفسهم ولغيرهم. سائقي التطبيقات لا يطلبون امتيازات خاصة، بل يطالبون فقط بحقوق عادلة تليق بإنسان يعمل ويكدّ كل يوم.
الكاتب من الأردن