*بين فرحة المولد الحسني ووجع الفقد الكبير: “وفاءٌ للإمام الحسن ووفاءٌ لنهج المجاهدين”*
*أ.محمد البحر المحضار …* ….
يطلُّ علينا الخامس عشر من شهر رمضان المبارك في كل عام حاملاً معه ذكرى عزيزة على قلوب المؤمنين، ذكرى ميلاد سبط رسول الله وسيد شباب أهل الجنة، الإمام أبا محمد الحسن ابن علي المجتبى عليه السلام، ابن أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب والسيدة الطاهرة فاطمة الزهراء بنت رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم.
إنها ذكرى تفيض بالفرح والسرور، وتغمر قلوب شيعة أهل البيت ومحبيهم بالمودة والبهجة، فهي مناسبة إيمانية عظيمة اعتاد المؤمنون أن يقيموا فيها مظاهر الاحتفاء والسرور، تعبيراً عن محبتهم وولائهم لمدرسة أهل البيت عليهم السلام، واستجابةً لمنهجهم الذي يدعو إلى الفرح لفرحهم والحزن لحزنهم.
وفي مثل هذا اليوم المبارك، تتجدد في قلوب المؤمنين معاني الولاء والارتباط الروحي والوجداني بالإمام الحسن المجتبى عليه السلام، ذلك الإمام الذي جسّد في حياته أسمى معاني الحكمة والصبر والقيادة الربانية، وكان امتداداً لرسالة جده النبي الكريم، ولنهج أبيه أمير المؤمنين، ولخط الإمامة الذي حفظ الإسلام وعمّق معانيه في وجدان الأمة.
غير أن ذكرى هذا العام تأتي ممزوجة بمشاعر متباينة، إذ تختلط أفراح المولد الحسني الشريف بحزنٍ عميق يعتصر القلوب، نتيجة الفقد الجلل الذي أصاب الأمة الإسلامية برحيل أحد كبار علمائها ومرجعياتها وقادتها المجاهدين، سماحة السيد القائد علي الحسيني الخامنئي، الذي أفنى عمره في خدمة الإسلام والدفاع عن قضايا الأمة.
لقد كان هذا الرجل، بما عُرف عنه من ثباتٍ وإخلاصٍ وجهادٍ طويل، واحداً من أبرز الشخصيات التي حملت لواء الدفاع عن كرامة الأمة وقضاياها، وسخّر حياته في سبيل نصرة المستضعفين ومواجهة التحديات الكبرى التي واجهت العالم الإسلامي لعقود طويلة.
ومع رحيله، تشعر الأمة بلا شك بثقل الخسارة، ففقدان القادة الكبار يشكّل دائماً لحظات مؤلمة في مسيرة الشعوب.
لكن مدرسة أهل البيت عليهم السلام علمتنا أن الإيمان لا يتوقف عند حدود الألم، وأن الوفاء الحقيقي للمبادئ يتمثل في الثبات على الطريق مهما اشتدت المحن.
لقد علمتنا هذه المدرسة العظيمة أن الفرح بمواليدهم عبادة، وأن إحياء مناسباتهم هو تجديد للعهد مع القيم التي جسدوها في حياتهم.
ومن هذا المنطلق، فإن إحياء ذكرى مولد الإمام الحسن المجتبى عليه السلام يبقى واجباً معنوياً وأخلاقياً، نعبّر من خلاله عن تمسكنا بمنهج أهل البيت عليهم السلام، وعن استمرار حضور قيمهم في حياتنا وسلوكنا وثقافتنا.
فهذه المناسبة ليست مجرد احتفال عابر، بل هي محطة روحية تعيد للأمة توازنها وتذكرها بجذورها الإيمانية العميقة.
وفي هذا السياق، لا بد من التذكير – بروح المسؤولية والأدب الإيماني – بأن إحياء ذكرى المولد الحسني الشريف هو في ذاته تعبير عن الولاء الصادق لأهل البيت عليهم السلام، وهو واجب معنوي وأخلاقي درج عليه المؤمنون عبر الأجيال.
ولذلك فإن إقامة الاحتفالات وإظهار الفرح والسرور في هذا اليوم المبارك أمر مشروع ومطلوب، إحياءً لذكرى الإمام الحسن المجتبى عليه السلام وتعظيماً لمقامه.
غير أن مدرسة أهل البيت عليهم السلام، وهي المدرسة التي جمعت بين الحكمة والبصيرة، تعلمنا كذلك أن نُحسن الموازنة بين الفرح والوقار، خاصة عندما تتزامن المناسبات المباركة مع مصابٍ يلامس وجدان الأمة.
ومن هنا فإن من الأدب الإيماني أن تُقام هذه الاحتفالات بروحٍ واعية تجمع بين إظهار الفرح بمولد الإمام الحسن عليه السلام، وبين الحفاظ على قدرٍ من الوقار والاعتبار لمشاعر الحزن التي تعتصر القلوب بفقد أحد رجالات هذه المدرسة المباركة، ممن أفنوا أعمارهم في نصرتها وخدمتها.
فلا يتوقف الفرح بالمولد، لأنه من شعائر الولاء لأهل البيت عليهم السلام، ولكن يُعبَّر عنه بروحٍ متزنة تعكس عمق الانتماء لهذه المدرسة العظيمة، حيث يلتقي الفرح بالمولد مع الوفاء للمجاهدين والعلماء الذين ساروا على نهجها وجاهدوا في سبيلها.
وفي الوقت نفسه، فإن الوفاء لمن ساروا على نهج هذه المدرسة المباركة يقتضي أيضاً أن نتذكرهم بالدعاء والتقدير، وأن نعبر عن حزننا لفقدهم بما يليق بمكانتهم. ولذلك فإن القلوب التي تحتفي اليوم بذكرى المولد الحسني الشريف، لا تنسى كذلك أن تعبر عن تعازيها الصادقة بهذا الفقد الكبير، باعتباره جزءاً من مسيرة طويلة من التضحيات التي قدمها العلماء والمجاهدون عبر التاريخ.
إن الجمع بين الفرح والحزن ليس تناقضاً، بل هو صورة من صور الوعي الإيماني العميق؛ فالمؤمن يفرح حينما يأمره الدين بالفرح، ويصبر حينما تحل المصائب، ويبقى ثابتاً في الحالتين على طريق الحق.
وهكذا، فإن إحياء هذه الذكرى العطرة هذا العام يحمل رسالة مزدوجة: رسالة وفاء للإمام الحسن المجتبى عليه السلام في يوم ميلاده المبارك، ورسالة تقديرٍ وعزاءٍ لكل من قدم حياته في سبيل المبادئ التي قامت عليها مدرسة أهل البيت عليهم السلام.
فالمولد الحسني سيبقى مناسبة للفرح والسرور، لأن فرح أهل البيت هو فرح المؤمنين، ولأن إحياء هذه المناسبات هو تعبير عن عمق الانتماء لهذه المدرسة التي علمت الأمة معاني التضحية والصبر والثبات.
وفي خضم هذا الفرح الممزوج بوجع الفقد، يبقى العهد قائماً: أن نظل أوفياء للقيم التي حملها أئمة أهل البيت عليهم السلام، وأن نحافظ على إرثهم الروحي والأخلاقي، وأن نستمر في إحياء مناسباتهم بما يليق بعظمتها ومكانتها في وجدان الأمة.
وفي ختام هذه المناسبة المباركة، نتقدم بأسمى آيات التهاني والتبريكات إلى الأمة الإسلامية والمحمدية جمعاء بمولد الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، كما نرفع التهاني إلى جدّه المصطفى محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله، وإلى جدته الطاهرة خديجة بنت خويلد، وإلى أمّه الزهراء فاطمة بنت محمد، وإلى أبيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وإلى أخيه الشهيد الحسين بن علي، وإلى عقيلة بني هاشم زينب بنت علي، وإلى علم الوفاء العباس بن علي، وإلى أبنائه وأحفاده وذريته الطاهرة، وفي مقدمتهم القاسم بن الحسن، كما نرفع التهاني إلى سلالة الإمامين الحسن والحسين عليهم السلام، ابتداءً من الإمام علي بن الحسين زين العابدين وصولاً إلى إمام العصر محمد بن الحسن المهدي عجل الله فرجه الشريف.
كما نهنئ بهذه المناسبة المباركة المجاهدين الصادقين في ميادين العزة والكرامة في مختلف ساحات الأمة، أحياءً كانوا بيننا أو شهداء ارتقوا في سبيل الله، فهم جميعاً عند الله أحياء يرزقون، وتبقى تضحياتهم منارات هدى في طريق الأمة.
ونخص بالذكر قادة النهضة والجهاد في عصرنا، وفي مقدمتهم الإمام المجدد روح الله الخميني، وسماحة القائد الشهيد علي خامنئي، والشهيد المجاهد حسن نصر الله، كما نحيي القيادة السياسية الحكيمة في اليمن ممثلةً بالسيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي، وسائر المجاهدين والثابتين من أبناء الأمة.
وإلى جانب هذه التهاني المباركة، فإن القلوب المؤمنة تبعث كذلك رسالة عزاءٍ صادق إلى صاحب هذه الذكرى، الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، نعزيه فيها برحيل أحد المجاهدين الذين ساروا على نهج مدرسة أهل البيت عليهم السلام، سماحة السيد الشهيد علي خامنئي، الذي أمضى عمره في نصرة قضايا الأمة والدفاع عن كرامتها.
وهكذا تلتقي في هذه المناسبة معاني الفرح والحزن معاً؛ نهنئ بمولد الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، ونعزيه في الوقت ذاته بفقد أحد رجال مدرسته المجاهدين، لتبقى الرسالة خالدة: الوفاء لأهل البيت عليهم السلام، والثبات على طريقهم، والسير على نهجهم حتى يتحقق وعد الله بظهور قائم آل محمد عجل الله فرجه الشريف.
*مدير عام مكتب التخطيط – م/شبوة*
*#البحر_المحضار …*
الكاتب من اليمن