ترمب يكتب شهادة وفاة إمبراطورية أمريكا
طوفان الجنيد …..
في مشهدٍ يبدو وكأنه استعراضٌ لعضلات القوّة، تُقدِّم إدارةُ الرئيس الأمريكي دونالد ترمب نموذجًا جديدًا للهيمنة؛ يبدو من الخارج صلبًا، لكنه من الداخل يُسرّع تآكل الدعائم التي قامت عليها الإمبراطورية الأمريكية لعقودٍ من الزمن.
فمن التهديد العسكري المباشر لحلفاء حلف شمال الأطلسي (الناتو) – مثل الدنمارك – على خلفية الرغبة في الاستحواذ على جزيرة جرينلاند، إلى السياسات الداخلية القاسية والعنصرية التي تسجّل أرقامًا قياسية في الوفيات تحت الاحتجاز، يخطّ ترمب، برؤيته وسياساته، فصولًا تُؤشّر إلى تحوّلٍ جوهري في طبيعة السياسة الأمريكية ودورها في العالم.
تفكيك التحالفات: الناتو نموذجًا
كان حلف شمال الأطلسي (الناتو) لسنواتٍ طويلة حجر الزاوية في الاستراتيجية الأمريكية العالمية.
لكن تحت قيادة ترمب، تحوّل هذا الحلف من مظلّة أمن جماعي إلى هدفٍ للتهديد والابتزاز.
فتصريحات ترمب العلنية بأن الولايات المتحدة ستأخذ جرينلاند «بالطريقة اللطيفة أو بالطريقة الأصعب»، وتعاطيه مع الأمر بوصفه صفقةً عقارية كبرى، ليست مجرّد مبالغات خطابية، بل تعكس تحوّلًا عميقًا في الفكر الاستراتيجي الأمريكي.
إن هذا النهج يهدّد كيان الناتو ذاته؛ فحين يلوّح الرئيس الأمريكي باستخدام القوة العسكرية ضد حليفٍ في الحلف، مثل الدنمارك، يبرز سؤال جوهري: هل يمكن لأي حليف أن يثق بعد اليوم بالضمانات الأمريكية؟
بل إن بعض المراقبين يرون في خطاب ترمب بشأن جرينلاند تشابهًا مقلقًا مع خطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبيل غزو أوكرانيا.
هذا الانزياح عن مبدأ الدفاع المشترك والاحترام المتبادل بين الحلفاء يمثّل ضربةً قاسية لأحد أهم أركان النظام العالمي الذي بنته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية.
السياسات الداخلية القاسية والتمييز العنصري:
تكشف الإحصائيات الرسمية عن وجهٍ آخر لإدارة ترمب.
ففي عام 2025 وحده، سُجِّل أعلى عدد من الوفيات في مراكز احتجاز الهجرة منذ عقدين، حيث توفي 32 شخصًا تحت حراسة وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE).
وقد جاء هذا الرقم القياسي متزامنًا مع حملة توسّع غير مسبوقة في احتجاز المهاجرين، وصلت إلى نحو 70 ألف محتجز بنهاية عام 2025، في مشهد يعكس قسوة السياسات الداخلية واستشراء التمييز العنصري.
المصداقية وأزمة الحقيقة
لا يمكن فهم تأثير ترمب بمعزلٍ عن أسلوبه في التواصل وعلاقته المتذبذبة مع الحقيقة. فقد وُصف من قبل مؤرخين ومراقبين بأنه «كاذب متسلسل» بدرجة غير مسبوقة في السياسة الأمريكية، إذ يكرّر الادعاءات الكاذبة أو المضلِّلة بشكلٍ منهجي. وقد تتبّعت صحيفة واشنطن بوست عشرات الآلاف من هذه الادعاءات.
ولا تُعدّ هذه الظاهرة شأنًا شخصيًا فحسب، بل تترك تداعياتٍ عميقة على الديمقراطية الأمريكية، من أبرزها:
تقويض الثقة في المؤسسات: فعندما يتحدّى الرئيس الحقائق المثبتة بصورة روتينية، تتآكل مصداقية الصحافة، والمؤسسات الحكومية، والخبراء.
تغذية الانقسام المجتمعي: حيث تتحوّل الحقيقة إلى مفهومٍ نسبي، وتتشكّل «حقائق» متعدّدة وفق الانتماء السياسي، لا وفق الوقائع الموضوعية.
بلطجة الدبلوماسية الخارجية
إن سياسة ترمب الخارجية تشبه، في كثير من ممارساتها، البلطجة والتنمر السياسي. فكيف يمكن التفاوض مع حلفاء أو خصوم في ظل التهديد الدائم، أو عندما تكون التصريحات الرسمية غير صادقة؟ هذا السلوك المتعمّد، المنافي للقيم الإنسانية، يخلق بيئةً يستحيل فيها الحوار العقلاني واتخاذ القرارات الرشيدة، وهو أمر بالغ الخطورة على أي دولة تطمح لقيادة النظام الدولي.
أحداث غزة: الشعرة التي قصمت ظهر البعير:
لقد شاهد العالم بأسره الجرائم الوحشية والإبادات الجماعية التي ارتكبها الكيان الصهيوني المحتل بحق أبناء غزة، بمشاركةٍ فعلية من ترمب، ودعمه اللامحدود للكيان، وللإرهاب، وللانتهاكات المتكررة لسيادة دول المنطقة.
كما تجلّت سياسة الكيل بمكيالين في القضايا الدولية، والدفاع المستميت عن الإجرام والإرهاب الدولي، وانتهاك القوانين الدولية والحقوقية بكل عنجهية وصلف واستكبار.
ختامًا:
لا شكّ أن القوة العسكرية والاقتصادية الأمريكية ما تزال هائلة، غير أن القيادة التي لا تُحسن استخدامها تُعجّل بانهيارها، وتحوّلها إلى حبل انتحار يلتفّ حول عنقها. فالقيادة التي لا تحترم القوانين الدولية، وتهدّد حلفاءها، وتتعامل مع الجغرافيا السياسية كصفقاتٍ عقارية، وتدير سياسات داخلية تقسو على الضعفاء، وتطعن في مؤسساتها الديمقراطية، إنما تكتب – بفعلها هذا – شهادة وفاة لنموذجٍ قديم من الإمبراطورية التي ادّعت يومًا قيادة «العالم الحر».
والنتيجة تكاد تكون حتمية: إمّا انهيارٌ متسارع، أو تحوّل الولايات المتحدة إلى دولةٍ منبوذة، لا يخشاها حلفاؤها ولا يحسب لها خصومها حسابًا، وتفقد قدرتها على قيادة العالم بالمعنى الواسع. وهكذا، فإن ترمب لا يكتب نهاية أمريكا بيد أعدائها، بل بيد من يدّعي أنه يجعلها «عظيمة مرة أخرى».
الكاتب من اليمن