تراجع الاقتصاد الوطني وتقدّم الفساد في وطني معالجات محدودة وتعطيلات واسعة

بقلم: د. تيسير فتوح حجة  ….

الأمين العام لحركة عدالة
يمرّ الاقتصاد الوطني الفلسطيني بمرحلة من أخطر المراحل في تاريخه المعاصر، حيث يتقاطع الانكماش الاقتصادي مع تفشّي الفساد الإداري والمالي، في مشهد يعكس حالة اختلال عميق في بنية الإدارة العامة والحوكمة الاقتصادية. لقد أصبح المواطن الفلسطيني يعيش بين مطرقة الفقر وسندان السياسات الاقتصادية العاجزة، في وقت تتسع فيه دائرة الامتيازات الخاصة على حساب المصلحة العامة.
إنّ التراجع الاقتصادي الذي نشهده اليوم ليس وليد لحظة عابرة، بل هو نتيجة تراكمات طويلة من سوء الإدارة وغياب التخطيط الاستراتيجي، إضافة إلى القيود التي يفرضها الاحتلال على الاقتصاد الفلسطيني. غير أنّ هذه العوامل الخارجية لا يمكن أن تكون مبرراً دائماً لإخفاء مظاهر الفساد الداخلي أو تعطيل الإصلاحات الضرورية.
لقد شهدنا خلال السنوات الأخيرة تضخماً في الجهاز الإداري، وتوسعاً في النفقات التشغيلية غير المنتجة، مقابل تراجع واضح في الاستثمار الحقيقي في القطاعات الحيوية كالصناعة والزراعة والتكنولوجيا. وفي المقابل، تتسع دائرة الفساد والمحسوبية والاحتكار، الأمر الذي يضعف ثقة المواطن بالمؤسسات العامة ويقوّض فرص التنمية المستدامة.
إنّ ما يزيد خطورة هذا المشهد هو أن المعالجات المطروحة غالباً ما تكون محدودة ومؤقتة، تركز على إدارة الأزمات بدلاً من معالجة جذورها. فبدلاً من إطلاق برامج إصلاح اقتصادي شاملة، نرى إجراءات جزئية لا تلامس عمق المشكلة، بينما تستمر التعطيلات الواسعة للإصلاح الحقيقي الذي يطالب به الشعب.
من وجهة نظر حركة عدالة، فإن الإصلاح الاقتصادي لا يمكن أن يتحقق دون إصلاح سياسي وإداري شامل، يقوم على مبدأ الشفافية والمساءلة، ويعيد الاعتبار لمفهوم الخدمة العامة باعتبارها مسؤولية وطنية لا وسيلة للنفوذ والمصالح الشخصية.
كما ترى الحركة أن الأولويات الوطنية في هذه المرحلة يجب أن تتركز على عدة محاور أساسية:
أولها مكافحة الفساد بشكل جدي وفعلي عبر مؤسسات رقابية مستقلة وقضاء نزيه قادر على محاسبة المتجاوزين مهما كانت مواقعهم.
وثانيها إعادة توجيه السياسات الاقتصادية نحو دعم الإنتاج الوطني وتعزيز صمود القطاعات الاقتصادية المحلية.
وثالثها تخفيف الأعباء عن المواطن الذي بات يدفع ثمن الأزمات المتراكمة من دخله المحدود وحياته اليومية.
إنّ بناء اقتصاد وطني قوي لا يتحقق بالشعارات أو الوعود، بل بإرادة سياسية حقيقية تضع مصلحة الشعب فوق كل اعتبار. فالشعوب التي تتسامح مع الفساد تدفع ثمنه فقراً وتراجعاً، أما الشعوب التي تواجهه بشجاعة فإنها تفتح الطريق أمام التنمية والعدالة.
وفي الختام، تؤكد حركة عدالة أن إنقاذ الاقتصاد الوطني يبدأ بإعادة الاعتبار للقيم الوطنية في الإدارة والحكم، وإطلاق مشروع إصلاح حقيقي يعيد الثقة بين المواطن ومؤسساته، ويضع فلسطين على طريق التنمية والكرامة الاقتصادية التي يستحقها شعبنا.
فالوطن الذي يتراجع فيه الاقتصاد ويتقدم فيه الفساد، يحتاج إلى وقفة ضمير قبل أي خطة إنقاذ.

الكاتب من فلسطين

قد يعجبك ايضا