فادي السمردلي يكتب :تعديلات قانون الإدارة المحلية المقترحة انقلاب ناعم على جوهر الإصلاح
بقلم فادي زواد السمردلي ….
*#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال*
يثير ما يُتداول مؤخرًا حول تعديلات محتملة على قانون الإدارة المحلية جملة من التساؤلات الجوهرية التي لا يمكن القفز فوقها أو التعامل معها بوصفها تفاصيل إدارية عابرة فالموضوع، في جوهره، لا يتصل فقط بإعادة توزيع صلاحيات أو إعادة تعريف أدوار، بل يمس صميم المسار الإصلاحي الذي تبنّته الدولة، وأُعلن عنه بوضوح من خلال مخرجات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، والتي جعلت من تعزيز الحكم المحلي وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية أحد أعمدته الأساسية.
القلق الحقيقي لا ينبع من فكرة التطوير بحد ذاتها، بل من الاتجاه الذي يوحي بتفريغ موقع رئيس البلدية المنتخب من صلاحياته الإدارية والمالية، مقابل منحها لمنصب تنفيذي معيّن فهذا التوجه، إن تم اعتماده، يطرح إشكالية عميقة تتعلق بمعنى الانتخاب ودوره في إدارة الشأن العام فالانتخاب، كما أكدته اللجنة الملكية، ليس إجراءً شكليًا، بل أداة تمكين ومسؤولية ومساءلة وعندما يُنتخب مسؤول دون أن يمتلك صلاحيات فعلية، تصبح العملية الانتخابية بلا مضمون، وتتحول إلى ممارسة رمزية لا أثر لها في الواقع.
إن ربط الصلاحية بالمسؤولية يشكّل أحد المبادئ الجوهرية للحكم الرشيد. فلا يمكن مساءلة رئيس بلدية عن أداء مالي أو إداري وهو لا يملك القرار ولا يتحكم بالأدوات كما لا يمكن مطالبة المواطن بالثقة والمشاركة إذا كان يعلم مسبقًا أن صوته لن ينعكس على السياسات المحلية أو أولويات التنمية والخدمات. من هنا، فإن أي مساس بصلاحيات المنتخبين ينعكس مباشرة على مستوى الثقة العامة بالعملية السياسية، ويضعف الدافع للمشاركة في الانتخابات المحلية.
وفي السياق ذاته، فإن ما يُشاع عن إلغاء انتخابات مجالس المحافظات أو استبدالها بالتعيين، المباشر أو غير المباشر، يشكّل تراجعًا واضحًا عن مسار إصلاحي تراكمي، مهما كانت الملاحظات على تجربة اللامركزية. فالمشكلات التي رافقت هذه التجربة لا تعالج بإلغائها، بل بتطويرها، وتصويب اختلالاتها، وتعزيز قدرتها على التأثير فالدول التي تسعى إلى ترسيخ الديمقراطية المحلية لا تتراجع عن الانتخاب عند أول عثرة، بل تعمل على تحسين الأطر القانونية والمؤسسية الناظمة له.
كما أن منح الصلاحيات الواسعة لموظف معيّن غير منتخب، على حساب جهة منتخبة، يعيد إنتاج المركزية التي قيل إن الهدف هو تجاوزها فاللامركزية لا تتحقق بنقل عبىء التنفيذ فقط، بل بنقل القرار، وتمكين المجتمعات المحلية من المشاركة في تحديد أولوياتها التنموية أما تكريس القرار بيد جهاز تنفيذي غير خاضع للمساءلة الشعبية، فهو يتناقض مع فلسفة الإصلاح الإداري والسياسي التي تم الإعلان عنها رسميًا.
البدائل المتاحة أكثر اتساقًا مع المسار الإصلاحي، وأقل كلفة سياسية ومجتمعية فبدل إفراغ المواقع المنتخبة من صلاحياتها، يمكن تنظيم العلاقة بين المنتخب والتنفيذي ضمن إطار واضح يقوم على إدارة مهنية كفؤة، يقابلها قرار سياسي وتنموي صادر عن جهة منتخبة تمتلك الصلاحية والقدرة على التوجيه والرقابة وكما يمكن تعزيز أدوات المساءلة، وتطوير قدرات المجالس المنتخبة، وربط التمويل والأداء بمعايير شفافة، دون المساس بجوهر الانتخاب.
إن تحديث الإدارة المحلية لا يكون بتقليص دور المواطن، ولا بتحويل الانتخاب إلى واجهة شكلية، بل بتمكينه وضبط الأداء في آن واحد. فالإصلاح الحقيقي هو الذي يعالج الخلل دون أن يهدم الفكرة، ويعزز الثقة بدل أن يبددها، ويكرّس اللامركزية ممارسةً لا شعارًا ومن هنا، فإن أي تعديل تشريعي لا ينسجم مع هذه المبادئ يستدعي وقفة جادة وإعادة نظر، حفاظًا على مصداقية المسار الإصلاحي ومستقبله.
الكاتب من الأردن