الابتزاز الإلكتروني: آفة رقمية تهدد النسيج المجتمعي (قراءة في الأرقام والدوافع)
بقلم: [د. منى النحلاوي] ….
في ظل الطفرة الرقمية الهائلة التي نعيشها، لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد نافذة للترفيه، بل تحولت في أيدي البعض إلى سلاح ذو حدين. ويبرز “الابتزاز الإلكتروني” اليوم كأحد أخطر أشكال العنف المبني على النوع الاجتماعي، مستهدفاً الفئات الأكثر هشاشة، ومخلفاً آثاراً نفسية واجتماعية قد لا تندمل جراحها بسهولة.
واقع يقرع أجراس الخطر
لا يفرق الابتزاز الإلكتروني بين ضحاياه، إلا أن المشهد الحالي يشير إلى تركز استهدافه لفئة اليافعين واليافعات، والنساء، حيث يستغل المجرمون نقص الخبرة التقنية أو الحساسية الاجتماعية للضحية. هؤلاء “المبتزون” لا يسعون فقط للمكاسب المادية، بل يهدفون أحياناً إلى تحطيم الروح المعنوية والتلاعب بالمشاعر، مما يضع الضحية في عزلة اجتماعية قسرية ودوامة من الشك والريبة.
لغة الأرقام: قفزة مقلقة
لم تعد الأرقام مجرد إحصاءات عابرة، بل هي مؤشر على حجم التحدي. فوفقاً للتقارير الرسمية الصادرة عن وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية في الأردن، شهدت السنوات الأخيرة قفزة هائلة؛ حيث وصل إجمالي الجرائم الإلكترونية المسجلة إلى ما يقارب 24,000 قضية
في عام 2024، بعد أن كانت لا تتجاوز بضعة آلاف قبل عقد من الزمن. هذا الارتفاع المستمر، الذي تقدر نسبته السنوية في بعض الفترات بـ 30%، يضعنا أمام ذروة غير مسبوقة تفرض ضرورة وضع خطة وطنية شاملة لمواجهة هذا التغول الرقمي.
المسببات: مثلث “الجهل والغياب”
يمكن حصر استفحال هذه الظاهرة في ثلاثة أبعاد رئيسية:
1. الاستخدام غير القانوني: غياب آليات الرقابة الصارمة من قبل المنصات العالمية جعل من الفضاء الرقمي بيئة خصبة للاصطياد الإلكتروني.
2. ضعف الثقافة الرقمية: الكثير من المستخدمين يفتقرون للمعرقة الكافية بآليات تأمين الحسابات، مما يجعلهم لقمة سائغة لمنظمات إجرامية محترفة.
3. الأمية التقنية والاجتماعية: الجهل بكيفية عمل الخصوصية، مقترناً بالخوف من العادات والتقاليد، يمنح المبتز قوة ضاغطة على الضحية.
الحماية القانونية: الردع هو الحل
لم تقف الحكومة الأردنية مكتوفة الأيدي، بل أصدرت قوانين رادعة تجرم هذا النوع من العنف، وتفرض عقوبات صارمة تشمل الحبس والغرامات المالية المغلظة. إن معاقبة المتورطين ليست مجرد إجراء عقابي، بل هي صرخة طمأنينة للضحية وعون لها لتجاوز محنتها النفسية والاجتماعية واستعادة دورها كعضو فاعل في المجتمع.
المسؤولية المشتركة: الأسرة والمجتمع
إن الابتزاز الإلكتروني يضرب في عمق القيم والأخلاق، وهو ما يفرض على الأسرة دوراً محورياً في مراقبة الأبناء وتوجيههم. كما يقع على عاتق الضحايا واجب “كسر الصمت”؛ فعدم التردد في تقديم الشكاوى للجهات المختصة (مثل وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية عبر الرقم 911) هو الخطوة الأولى لقطع الطريق على كل من تسول له نفسه المساس بكرامة الأفراد.
خاتمة:
إن مواجهة الابتزاز الإلكتروني تبدأ من الوعي الشخصي وتنتهي بالردع القانوني. نحن بحاجة إلى فضاء رقمي آمن يعزز من قيمنا، لا أن يكون مصيدة تشكك في نزاهة الأفراد أو تعيق مسيرتهم في الحياة.
الكاتبة من الأردن
تقيد في الولايات المتحدة الأمريكية