فادي السمردلي يكتب: تقرير الحكومة الأردنية عن الأداء الاقتصادي 2025 قراءة نقدية واقتصادية

بقلم فادي زواد السمردلي  …..

*#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال*

قدمت الحكومة الأردنية تقريرها السنوي لمجلسي الأعيان والنواب حول الأداء الاقتصادي لعام 2025، في محاولة لتسليط الضوء على أبرز التطورات الاقتصادية، والإنجازات، والتحديات التي واجهها الاقتصاد الوطني خلال العام الماضي. التقرير يعكس صورة متوازنة للاقتصاد الأردني، حيث أظهرت البيانات تحقيق نمو في الناتج المحلي الإجمالي، وزيادة في الصادرات، وتحسنًا في أداء القطاع المالي والبورصة، مع تعزيز شبكة الحماية الاجتماعية، وهو ما يدل على محاولة الحكومة الموازنة بين النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي ومع ذلك، فإن هذا النمو يبقى محدودًا نسبيًا، ويطرح تساؤلات حول قدرة الاقتصاد الأردني على مواجهة التحديات الهيكلية والضغوط الخارجية في المستقبل.

أشار التقرير إلى أن الناتج المحلي الإجمالي سجل نموًا من 2.5% في العام 2024 إلى نحو 2.8% في عام 2025، وهو معدل نمو إيجابي من حيث الاستمرارية، لكنه يظل دون المستوى المطلوب لتلبية احتياجات سوق العمل الأردني بشكل كامل، خاصة مع تزايد أعداد الشباب الباحثين عن فرص عمل جديدة ويشير هذا النمو المتواضع إلى أن الاقتصاد الأردني يسير في مسار مستقر، لكنه يحتاج إلى سياسات أكثر فاعلية لتحفيز الاستثمار وزيادة الإنتاجية وعلى الرغم من أن القطاعات الإنتاجية مثل الصناعات التحويلية والزراعة والطاقة ساهمت بشكل واضح في هذا النمو، فإن الاعتماد على الأسواق الخارجية والصادرات يجعل الاقتصاد عرضة لتقلبات الأسواق العالمية وأسعار الطاقة، ما يمثل مخاطر محتملة على الاستقرار الاقتصادي إذا حدثت أي صدمات خارجية.

فيما يخص القطاع المالي وأسواق رأس المال، أظهر التقرير ارتفاعًا في قيمة البورصة الأردنية وزيادة في أرباح الشركات، مما يعكس ثقة المستثمرين في الاقتصاد المحلي وقدرة السوق على جذب رؤوس الأموال وقد أشار التقرير إلى أن الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي بلغت نحو 25.5 مليار دولار، بما يكفي لتغطية حوالي تسعة أشهر من واردات البلاد، وهو مؤشر إيجابي على قدرة الأردن على مواجهة أي صدمات خارجية محتملة إضافة إلى ذلك، انخفض معدل الدولرة، ما يعكس ثقة أكبر بالعملة المحلية ومع ذلك، يركز التقرير بشكل أساسي على المؤشرات الكلية مثل الناتج المحلي الإجمالي وحجم الاحتياطيات وأداء البورصة، دون التطرق إلى مؤشرات نوعية أكثر دقة مثل الإنتاجية لكل عامل، أو الابتكار التكنولوجي، أو مستويات الديون على الأسر والشركات، وهذه المؤشرات مهمة لتقييم صحة الاقتصاد بشكل أكثر شمولا وعمقًا.

أما فيما يتعلق بالجانب الاجتماعي، فقد ركز التقرير على تعزيز شبكة الحماية الاجتماعية وتوسيع الإعفاءات الضريبية للفئات الأكثر حاجة، وهو مؤشر إيجابي على حرص الحكومة على تحقيق توازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية إلا أن التقرير لم يقدم بيانات مفصلة حول الفجوة في الدخل أو تأثير التضخم على القدرة الشرائية للأسر، ما يجعل من الصعب تقييم مدى استفادة المواطنين بشكل فعلي من هذا النمو الاقتصادي كما أن التركيز على مؤشرات الاقتصاد الكلي قد يخفي بعض التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجه الشرائح الفقيرة والمتوسطة، خصوصًا في ظل ارتفاع أسعار بعض السلع الأساسية وتكاليف المعيشة.

على الرغم من المؤشرات الإيجابية، فإن التقرير يكشف عن عدة نقاط ضعف وتحديات محتملة من أبرز هذه النقاط محدودية معدل النمو الاقتصادي، والذي قد لا يكون كافيًا لتوليد فرص عمل جديدة للشباب أو لدعم تحسين مستوى المعيشة بشكل ملموس كما أن اعتماد الاقتصاد على الصادرات والأسواق الخارجية يجعله عرضة لتقلبات أسعار السلع والطلب العالمي، مما قد يؤدي إلى تأثر النمو إذا حدث أي انكماش في الأسواق الدولية إضافة إلى ذلك، لم يتناول التقرير بشكل واضح حجم استثمارات القطاع الخاص المحلي والأجنبي، وهو عنصر أساسي لضمان الاستدامة الاقتصادية وتعزيز الإنتاجية الوطنية. هناك أيضًا تحديات تتعلق بالبنية التحتية والطاقة والنقل، والتي يمكن أن تشكل عقبة أمام توسيع الإنتاج الصناعي والزراعي، وبالتالي تحد من قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو أسرع وأكثر شمولًا.

من ناحية أخرى، التركيز على المؤشرات المالية الكلية قد يعطي صورة عامة عن استقرار الاقتصاد، لكنه لا يعكس التطورات النوعية المهمة، مثل زيادة الإنتاجية، تحسين القدرات التكنولوجية، دعم الابتكار، والحد من الاعتماد على الواردات في بعض القطاعات الحيوية فهذه العناصر تعتبر أساسية لتحقيق نمو اقتصادي مستدام على المدى الطويل، وتجنب الوقوع في فخ النمو البطيء أو الاقتصاد الهش الذي يعتمد على عوامل خارجية كما أن غياب بيانات مفصلة عن توزيع الدخل ومستويات الفقر يجعل من الصعب قياس أثر السياسات الحكومية على المواطنين بشكل مباشر، خاصة في ظل الضغوط المعيشية التي تواجه بعض الأسر.

يمكن القول إن التقرير يعكس اقتصادًا مستقرًا نسبيًا مع نمو متواضع ومستدام، وسيولة مالية جيدة، وتحسن في بعض المؤشرات الاجتماعية. كما يظهر التقرير قدرة الحكومة على إدارة الاقتصاد بحذر، بما في ذلك الحفاظ على الاحتياطيات الأجنبية وضبط معدلات الدولرة، وهو ما يعزز الثقة بالعملة المحلية والاستقرار المالي. إلا أن النمو الاقتصادي بطيء ومحدود، ويحتاج إلى دعم سياسات أكثر فاعلية في مجال الاستثمار، وتحفيز الإنتاجية، وخلق فرص عمل جديدة للشباب كما أن التركيز على القطاعات الإنتاجية دون الاهتمام بالمؤشرات النوعية قد يجعل الاقتصاد عرضة للصدمات المستقبلية، ويحد من قدرته على تحقيق تحول اقتصادي حقيقي وشامل.

في النهاية، يمكن اعتبار تقرير الحكومة الأردنية لعام 2025 قراءة متوازنة لأداء الاقتصاد الوطني، حيث يعكس استقرارًا نسبيًا ونموًا إيجابيًا، ولكنه في الوقت نفسه يكشف عن تحديات هيكلية تحتاج إلى معالجة ويمثل هذا التقرير فرصة للحكومة لإعادة النظر في السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز دور القطاع الخاص، وزيادة الاستثمار في البنية التحتية والابتكار التكنولوجي، لضمان تحقيق نمو اقتصادي شامل ومستدام يعود بالنفع على جميع المواطنين فالاقتصاد الأردني اليوم يظهر أنه صحي نسبيًا، لكنه بحاجة إلى خطوات أكثر جرأة وطموحًا لتحويل هذا الاستقرار إلى نمو ملموس ينعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين ومستوى رفاهيتهم فإذا تمكنت الحكومة من التركيز على خلق فرص العمل، دعم الإنتاجية، وتنويع مصادر النمو، فإن الاقتصاد الأردني سيكون قادرًا على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية بشكل أكثر قوة ومرونة.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا