من رحم الحنين تُولد القيادة: بين عابر سبيل ومحارب لا يترجل

بقلم: د. منى النحلاوي  …..

 

“أنا شخصٌ عابر سبيل، يحنُّ إلى قفزات الصبا، وحجرات الحصى، ونكزة الإصبع، ومواويل الشلل..” بهذا الشجن العذب نبدأ، فالحنين ليس ضعفاً، بل هو الجذر الذي يغذي شجرة القوة فينا. إن قوة الشخصية الحقيقية لا تأتي من نسيان الماضي، بل من القدرة على حمله كخلفية موسيقية بينما نقود حاضرنا بجنون الشغف.
الاستراحة.. أم مسرحُ قيادةٍ جديد؟
لطالما ظنّ البعض أن لحظة الخروج من “الميدان الوظيفي” هي لحظة الانطفاء، أو كما يردد كثيرون بمرارة: انتهى دوري في المجتمع. لكن، هل يمكن لروحٍ اعتادت العبور في القفر بحثًا عن قطرة ضوء أن ترضخ لقيود رقمٍ أو تاريخ؟ وهل التقاعد حقًا هو النهاية، أم أنه مجرد استراحة محارب يغيّر فيها تضاريس معركته؟
خلع الأقنعة على مسرح “غوفمان”
عندما نتأمل هذه المرحلة من خلال عدسة عالم الاجتماع إرفينج غوفمان ونظريته في التفاعل الرمزي، ندرك أن الحياة ما هي إلا مسرحية كبرى نؤدي فيها أدوارًا بأقنعة تناسب مناصبنا. المرأة القائدة، على وجه الخصوص، تخلع “الواجهة” الرسمية لتعود إلى “الكواليس”، حيث تبدأ القيادة الحقيقية.. قيادة لا تحتاج إلى مسمى وظيفي، بل تنبع من جوهر الروح وخبرة السنين.
صفات الشخصية القوية: ما وراء المظهر
إن قوة الشخصية التي ننشُدها هي مزيج بين الحزم واللطف:
• الثقة والتقدير: الثقة بالنفس هي الوقود، وتقدير الذات هو البوصلة التي تحمينا من استجداء إعجاب “الجمهور”.
• شجاعة الـ “لا”: القدرة على وضع حدود معينة في بيئاتنا المعقدة، ورفض الطلبات المجهدة للنفس بوضوح ولطف.
• التفرد في الأسلوب: ألا يسير المرء وفق قناعات الآخرين، بل يصنع لنفسه طريقاً خاصاً في التفكير والتعبير.
نجاةٌ بهدوء… وقيادةٌ بصيغة الوجود
القيادة في المرحلة الثانية من العمر تشبه “الصلاة الأخيرة”، تُمارَس بشغفٍ يتجاوز حدود المادة. تقرأ المرأة القائدة النهاية كما لم تعرف البداية، وتذوب في أعماق تجاربها كغريقٍ في بحر الحكايات، لا طلبًا للنجدة، بل بحثًا عن الاستنارة. إنها تبحث عن مسارٍ يفرحها لتنجو بهدوء، نجاة تجعل من غصونها أوراق ورد، وفي شرايينها طيّات عقود من الالتزام.
خاتمة الستار الذي يُسدل ليس إعلان نهاية، بل إيذان ببدء فصل القيادة الذاتية. فالحنين لـ “حجرات الحصى” وقوة “المحارب” وجهان لعملة واحدة هي الإنسان. التقاعد ليس خروجًا من المسرح، بل اللحظة التي يقرر فيها المحارب أن يقود العرض من مكانٍ أعمق وأبقى.
تذكر دائماً: العقل في حضرة الروح غياب.. والروح في المرحلة الثانية هي القائد الأعلى والوحيد.

الكاتبة من الأردن

تقيم في الولايات المتحدة الأمريكية

قد يعجبك ايضا