فادي السمردلي يكتب: التصريحات بلا تحقق خلل في المسؤولية وخطر على الوعي العام
بقلم فادي زواد السمردلي …..
*#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال*
👈 *المقال يصوّر حالة عامة، وأي تشابه عرضي مع أشخاص أو وقائع حقيقية غير مقصود.*👉
في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث وتتشابك الوقائع، تصبح الكلمة الصادرة عن المسؤول أو صاحب التأثير العام سلاحًا ذو حدّين إمّا أن تكون أداة وعي وبناء، وإمّا أن تتحول إلى سبب مباشر في التضليل وزعزعة الثقة فلم تعد المشكلة اليوم مقتصرة على أخطاء فردية عابرة، بل تحولت إلى ظاهرة مقلقة تتكرر باستمرار، عنوانها الأبرز تصريحات تُطلق على عجل، ثم يُتراجع عنها بعد أن تكون قد أحدثت أثرها السلبي في الشارع، وخلّفت وراءها غضبًا مشروعًا وتساؤلات لا تجد إجابة مقنعة.
إن التصريح العلني ليس تفصيلًا ثانويًا، ولا مساحة للتجريب أو الارتجال فحين يتحدث مسؤول، فإنه لا يتحدث باسمه الشخصي فحسب، بل بصفة تمثيلية تمنح كلماته وزنًا وتأثيرًا ولذلك فإن إطلاق أي معلومة دون التحقق من صحتها يُعدّ إخلالًا فاضحًا بواجب المسؤولية فهو ليس مجرد خطأ مهني يمكن تجاوزه بالاعتذار، بل سلوك يضرب أساس العلاقة بين المواطن ومصدر القرار، ويؤسس لحالة عامة من الشك والريبة والأخطر من ذلك أن التراجع المتكرر عن التصريحات لا يُصلح الضرر، بل يكشف حجم التخبط وغياب الجدية في إدارة الخطاب العام.
المواطن اليوم أكثر وعيًا مما يُتصوَّر، وأكثر قدرة على التمييز بين الصدق والتلاعب ولكنه في الوقت ذاته أكثر حساسية تجاه الكذب أو التضليل، لا سيما حين يتعلق الأمر بقضايا تمس حياته اليومية ومستقبله فعندما يسمع تصريحًا رسميًا من وشخص اعتباري والمفترض انه يمتلك ثقة الشعب ثم يكتشف بعد ساعات أو أيام أنه غير صحيح، فإن الشعور الذي يتولد داخله لا يكون مجرد خيبة أمل عابرة، بل إحساس عميق بالإهانة وكأن عقله لا يُحسب له حساب، وكأن الحقيقة يمكن العبث بها دون عواقب ومع تكرار هذا المشهد، تتآكل الثقة تدريجيًا، وتتحول العلاقة بين الطرفين إلى علاقة قائمة على الشك بدلًا من الاحترام والثقة المتبادلة.
وفقدان الثقة لا يقف عند حدود الغضب اللحظي، بل يمتد أثره إلى مختلف جوانب الحياة العامة فعندما يهتز صدق الخطاب، يفقد الإعلام بوصلته، لأن الإعلام في نهاية المطاف يعتمد على ما يُصرّح به المسؤولون وحين تختلط المعلومات الصحيحة بالمعلومات المتراجع عنها، يضيع المواطن بين الروايات المتناقضة، ويصبح فريسة سهلة للشائعات والتأويلات وهكذا يتضرر الوعي العام، ويتحول الفضاء المجتمعي إلى ساحة فوضى فكرية، حيث لا حقيقة مستقرة ولا مرجعية يُطمأن إليها.
والمشكلة الأعمق أن التهاون في دقة التصريحات يكشف خللًا بنيويًا في فهم مفهوم المسؤولية ذاته فالمسؤول الحقيقي لا يتحدث إلا حين يملك المعلومة الكاملة، ولا يطلق وعدًا إلا وهو مدرك لتبعاته، ولا يعلن موقفًا إلا بعد حساب نتائجه بدقة أما أن يصبح التصريح مجرد رد فعل سريع، أو محاولة لامتصاص ضغط لحظي، ثم يأتي التراجع لاحقًا وكأنه أمر طبيعي، فهذه ممارسة خطيرة تُسيء إلى المنصب قبل أن تُسيء إلى المواطن.
إن التراجع عن التصريحات لا يعود دليل شجاعة أو تصحيح، بل يتحول إلى اعتراف غير مباشر بسوء الإدارة وغياب التخطيط لكسب الشعبويات أحيانًا وهو يبعث برسالة سلبية مفادها أن الأمور تُدار بلا رؤية واضحة، وأن القرارات تُبنى على معطيات هشة قابلة للانهيار عند أول اختبار وفي بيئة كهذه، لا يمكن لأي مشروع إصلاحي أن ينجح، ولا لأي سياسة عامة أن تحظى بقبول الناس، لأن الأساس النفسي الذي تقوم عليه أي عملية بناء — أي الثقة — يكون قد تآكل.
إن الكلمة مسؤولية، والحقيقة أمانة، والموقع العام ليس امتيازًا بل تكليف ومن لا يدرك خطورة التصريح غير المدروس، ومن لا يحترم حق الناس في المعلومة الدقيقة، فإنه يشارك، بوعي أو بغير وعي، في إضعاف المجتمع وتشويه وعيه لذلك فإن الصرامة في هذا الملف ليست خيارًا تجميليًا، بل ضرورة أخلاقية ووطنية فإمّا أن يُعاد الاعتبار لقيمة الكلمة ودقة المعلومة، وإمّا أن يستمر فقدان الثقة في الاتساع حتى يصبح ترميمه مهمة شبه مستحيلة.
الكاتب من الأردن