حين يتحول الدين إلى سكين… إلى متى يظل السلام مؤجلا .. ؟؟

محي الدين غنيم   …..

في كل زاوية من هذا العالم الموجوع تتعالى أصوات القذائف فوق أنين البشر وتسفك الدماء بلا رحمة وكأن القتل صار لغة عالمية والحرب قدرا مكتوبا لا فكاك منه. حروب طاحنة تمتد من الشرق إلى الغرب، وشعوب تتناحر لا لأن الأرض ضاقت بها، بل لأن العقول أُغرقت في مستنقع المذهبية والطائفية فصار الأخ عدو أخيه والجار خصم جاره.
المفارقة الأكثر إيلاما أن كثيرًا من هذه الحروب تُرتكب باسم الدين .. الدين الذي جاء ليحرّم الدم، ويقدس الحياة ويجعل السلام غاية والعدل أساسًا. نرى القاتل يرفع شعار الدين وهو يضغط على الزناد والمقتول يتمسّك هو الآخر بتأويل ديني يجعله مستعدا للقتل بدوره في حلقة جنون لا تنتهي حيث يضيع الحق وتُغتال القيم، ويُشوَّه جوهر الإيمان.
لقد تحول الدين في أيدي المتطرفين والمنتفعين من رسالة سماوية إلى أداة صراع ومن جسر للتلاقي إلى خندق للكراهية. تُجزأ النصوص وتُحرَّف المعاني. وتُستدعى الفتاوى لتبرير أبشع الجرائم بينما يُغيَّب العقل، ويُقصى صوت الحكمة ويُخوَّن كل من يدعو إلى التعايش والاعتدال.
السؤال الذي يفرض نفسه بمرارة: متى سنعيش بسلام؟ متى يدرك الإنسان أن عدوه الحقيقي ليس المختلف عنه في المذهب أو الطائفة أو الدين، بل الجهل الذي يسكن العقول، والكراهية التي تُزرع في القلوب والمصالح السياسية التي تتغذّى على دماء الأبرياء؟ متى نفهم أن الحروب لا تصنع مجدًا  وأن الانتصار الحقيقي هو إنقاذ إنسان من الموت، لا إضافة رقم جديد إلى قوائم الضحايا؟
السلام لن يولد من فوهات البنادق ولا من خطابات التحريض ولا من استدعاء الماضي المليء بالصراعات. السلام يحتاج إلى شجاعة من نوع آخر: شجاعة الاعتراف بأننا أخطأنا حين قدّسنا الانقسام، وشجاعة إعادة الدين إلى مكانه الطبيعي كقيمة أخلاقية وإنسانية، لا كراية حرب. يحتاج إلى عدالة تُنهي الظلم، وتعليم يُحرّر العقول، وخطاب ديني عاقل يقدّم الإنسان على الصراع.
سيبقى العالم ينزف ما دمنا نبحث عن الله في ساحة القتل وننسى أنه في إنقاذ الحياة. وسيبقى السلام حلمًا بعيدًا ما لم نقرر، أفرادًا وشعوبًا، أن نكسر دائرة الدم وأن نختار الإنسانية قبل المذهبية، والعقل قبل التعصّب، والحياة قبل الموت. فهل نملك الشجاعة لنفعل؟

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا