هل الأردن مستهدف من الخارج أم من الداخل ؟
محي الدين غنيم …..
منذ اندلاع ما سُمّي زورًا بـ“الربيع العربي”، لم يكن الأردن يوما بمنأى عن رياح الفوضى التي عصفت بالمنطقة. كان الاستهداف الخارجي واضحا والرهان قائمًا على إسقاط الدولة من خلال إنهاكها أمنيًا واقتصاديًا كما جرى في دول عربية شقيقة. لكن الأردن، بقيادته الهاشمية الحكيمة، أفشل تلك الرهانات، ونجح في عبور أخطر المراحل بأقل الخسائر.
لقد شكلت حكمة القيادة السياسية إلى جانب حنكة مدير الأمن العام الأسبق حسين هزاع المجالي، صمام أمان حقيقي للدولة. فقد كان تبنّي سياسة الأمن الناعم خطوة متقدمة في إدارة الأزمات حيث جرى تحييد الشارع واحتواء الغضب والتفريق بين الاحتجاج المشروع ومحاولات التخريب دون الانجرار إلى العنف أو القمع. هذه السياسة جنّبت الأردن سيناريوهات الدم والخراب وحافظت على هيبة الدولة واستقرارها.
لكن وبعد أن فشل الاستهداف الخارجي، يبرز اليوم سؤال أكثر إلحاحًا وخطورة :
هل الخطر الذي يهدد الأردن يأتي من الخارج… أم من الداخل؟
الواقع المؤلم يقول إن الخطر الأكبر لم يعد خارجيًا بقدر ما هو داخلي. خطر يتمثل في رموز الفساد وقوى الشدّ العكسي وأصحاب المصالح الضيقة الذين يعملون بصمت وأحيانًا بوقاحة ضد تطلعات ورؤى جلالة الملك. هؤلاء لم يحملوا السلاح، لكنهم استخدموا أدوات أشد فتكًا: الفساد والمحسوبية وسوء الإدارة وغياب العدالة الاجتماعية.
لقد أوصلت هذه السياسات الشعب الأردني إلى شفير الهاوية:
فقر يتسع وبطالة تخنق الشباب وغلاء ينهش لقمة العيش
وتغوّل مستمر على جيب المواطن الفقير بحجة سدّ عجز الموازنة، بينما تُترك منابع الهدر والفساد دون مساءلة حقيقية.
المفارقة المؤلمة أن من فشلوا في إدارة الاقتصاد، ومن أثقلوا كاهل المواطن بالضرائب والرسوم هم أنفسهم من يتحدثون عن الإصلاح بينما ممارساتهم تنسف أي أمل بالإصلاح الحقيقي. وهنا تكمن الخطورة: حين يتحول الفساد من استثناء إلى نهج، ومن حالة إلى منظومة.
إن الأردن لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الشعارات بل إلى مواجهة صريحة مع الفساد وإرادة سياسية حازمة تضع حدًا لقوى الشدّ العكسي التي تعرقل كل مشروع إصلاحي، وتفرغ رؤى جلالة الملك من مضمونها. فالدولة التي صمدت أمام العواصف الخارجية لن يُسمح لها أن تنهار من الداخل.
إن الأردن كان مستهدفًا من الخارج… فنجا.
أما اليوم فهو مستهدف من الداخل… والخطر هنا أشد وأعمق.
وحماية الوطن تبدأ من تنظيف البيت من الداخل، لأن الأوطان لا تسقط فقط بالغزو، بل قد تسقط حين يُترك الفساد بلا حساب، ويُدفع المواطن إلى اليأس ومن ثم إلى …. لا قدر الله.
الكاتب من الأردن