هل سيؤجل ترامب العدوان على ايران للمرة الثانية ام سيمضي قدما فيه في غضون ساعات؟ وما هي الاحتمالات الأربعة التي قد ترجح تأجيله؟ وما هي المفاجآت العسكرية الإيرانية التي تنتظره؟
عبد الباري عطوان ….
تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتوجيه ضربة عسكرية “ساحقة” ضد ايران تؤدي الى ازالتها من الكرة الأرضية، المصحوبة بتحريك حاملة الطائرات ابراهام لينكولن وثلاث مدمرات بحرية على ظهرها 75 طائرة “اف 15” القاذفة المتطورة، و6 آلاف جندي، هذه التهديدات لا تعني ان الضربة باتت مؤكدة وحتمية، لان ترامب “أجبن” من ان يخوض حربا في الشرق الأوسط او غيرها بحاملة طائرات واحدة، وحتى تلويحاته باستخدام القوة التي تراجع عنها، وآخرها ضد ايران وقبلها روسيا والصين تؤكد هذه الحقيقة.
ترامب في حالة “شرب حليب السباع” وإصدار الأوامر لقواته وحاملات طائراته بضرب ايران، والذهاب الى هذه الحرب وحده، وبدون تحالف غربي يسانده مثلما كان عليه الحال في هجوم سلفه جورج بوش الابن على العراق عام 2003، مما يعني ان احتمالات النجاح غير مضمونة، واستسلام ايران لتهديداته، والعودة الى مائدة المفاوضات بشروطه مستبعدة، بل مستحيلة كليا، بعد نجاح ايران في إيقاف الاحتجاجات بالقوة، والإدارة الاستخبارية الذكية، واجهاض الخطة الامريكية الإسرائيلية لتغيير النظام الإسلامي الحاكم في طهران، واغتيال الامام السيد علي خامنئي المرشد العام.
***
ما يؤكد هذه الفرضية اربع نقاط رئيسية يجب اخذها بعين الاعتبار في هذا الملف الخطير:
أولا: اعلان البنتاغون (وزارة الدفاع) اليوم الاستراتيجية الدفاعية الامريكية الجديدة التي كان من أبرز بنودها حث حلفاء أمريكا في الشرق الاوسط على ردع ايران بشكل اكثر فعالية، ودعم إسرائيل في الدفاع عن نفسها والاندماج معها، وهذا يعني ان الولايات المتحدة لا تريد خوض الحروب في الشرق الأوسط نيابة عن الآخرين، وخاصة حكومات المنطقة التي بات واجبا عليها ان تقلّع شوكها بأيديها، وان لا تعتمد على أمريكا لخوض حروبها، ولعل الخلاف المتصاعد حاليا بين ترامب وحلفائه الأوروبيين بعد اتهامه لهم بوقاحة بالبقاء في الصفوف الخلفية بعيدا عن جبهات المواجهة، وترك القوات الامريكية وحدها للقيام بهذه المهمة وخاصة في العراق وأفغانستان وتحمل خسائر بشرية ومادية ضخمة أبرز الأمثلة.
ثانيا: حالة الرعب والترقب التي تسود “إسرائيل” حاليا، خوفا من رد الفعل العسكري الإيراني المحتمل، فقد عكست القناة الثانية الإسرائيلية حالة الرعب هذه عندما قالت في تقرير لها “اذا تأكدت ايران من حتمية الضربة الامريكية، فقد تُقدم على ضربة صاروخية على “إسرائيل” توقع خسائر بشرية واقتصادية ضخمة جدا، وهذا ما يفسر وقف العديد من شركات الطيران رحلاتها الى تل ابيب.
ثالثا: تأكيد اكثر من قائد إيراني من ان بلادهم ستتعامل مع أي هجوم امريكي سواء كان محدودا، او شاملا، او ضربة دقيقة، على انه حرب شاملة، وسيتم الرد عليه بأقوى طريقة ممكنة، وبكل ما تملكه ايران من أسلحة (في تلميح لأسلحة الدمار الشامل)، وان ايران مستعدة لأسوأ الاحتمالات.
رابعا: تدرك القيادة الإيرانية بشقيها الروحي والعسكري، ان نقطة ضعف اعدائها في أمريكا وإسرائيل هي الانخراط في حرب طويلة الأجل، تؤدي الى حرب استنزاف، ولهذا سيتم التركيز على هذا الاحتمال إيرانيا من خلال استراتيجية عسكرية محكمة وطويلة النفس جرى وضعها بعناية فائقة، والاستفادة من أبرز أخطاء حرب “الـ 12 يوما” في حزيران (يونيو) الماضي اثناء العدوان الثنائي الأمريكي الإسرائيلي، ونحن نتحدث هنا عن “ندم” البعض في القيادة الإيرانية للقبول السريع لوقف اطلاق النار وعدم الاستمرار في الحرب.
عندما يقول المسؤولون الإيرانيون، سواء كانوا عسكريين، او سياسيين، او برلمانيين، بأن الحرب القادمة ستكون “شاملة”، فهذا يعني ان الرد سيكون شاملا أيضا، ولن يقتصر على القواعد الامريكية العسكرية المقابلة على الشاطئ الغربي للخليج، أي العربية، وانما سيمتد حتما الى “إسرائيل”، ودون التفريق بين الأهداف العسكرية والمدنية مثلما كان يحدث في الماضي، والشمولية أيضا تشمل دخول أذرع المقاومة الحتمي في هذه الحرب، ونحن نتحدث هنا عن “حزب الله” في لبنان الذي رفض وقاوم كل الضغوط الرسمية والإسرائيلية والأمريكية للتنازل عن سلاحه، وعن حركة “انصار الله” في اليمن التي وضعت خطة محكمة للتعاطي بقوة واسلحة وصواريخ “جديدة” لحاملات الطائرات والمدمرات الامريكية الزاحفة الى المنطقة، وهي الوحيدة التي تملك الخبرة العملية في هذا الصدد، ويمكن إضافة الحشد الشعبي العراقي، وربما حركة “حماس” والجهاد الإسلامي في الضفة الغربية والقطاع أيضا.
***
السيطرة الإيرانية الرسمية السريعة على الاحتجاجات وانهائها بسرعة في أقل من ثلاثة أسابيع يؤكد الفرضية حول الاستعدادات الجيدة والدقيقة، وسد أهم ثغرة في الجبهتين العسكرية والأمنية الايرانيتين، ومن المؤكد ان هذا النجاح الاستخباري المفاجئ في اصطياد المئات من الجواسيس وأجهزتهم الهاتفية الفضائية، وبمساعدة الصين وكوريا الشمالية، ربما يؤشر الى استعدادات دفاعية جوية وصاروخية وبحرية مفاجئة أيضا.
وصول الثنائي جاريد كوشنر وستيف ويتكوف المفاجئ الى تل ابيب اليوم السبت ليس من أجل الحديث عن وقف اطلاق النار في غزة مثلما جاء في البيانات الرسمية، وانما حول الرد العسكري الأمريكي المتوقع ضد ايران وتوقيته، او حتى احتمال التراجع عنه تحسبا للنتائج الوخيمة التي يمكن ان تترتب عليه.
الأيام العشرة القادمة قد تكون “الأخطر” على منطقة الشرق الأوسط والعالمين العربي والإسلامي، وربما نشهد “فيتنام ثانية” وقاتلة بالنسبة الى أمريكا وحليفتها الإسرائيلية، اما ايران “القارة الإقليمية العظمى” مساحة وتسليحا قد تخرج من أي حرب قادمة مثخنة الجراح، مثل كل من يخوض الحروب في التاريخ، ولكنها ستظل موجودة بقوة على الخريطة وربما تصبح الأقوى في المنطقة، بينما قد يختفي وينكمش غيرها: عربا ويهودا.. والأيام بيننا.
الكاتب فلسطيني
بريطانيا