فادي السمردلي يكتب: الاقتراض بلا إصلاحات هيكلية… طريق مُعبَّد نحو الانهيار الاقتصادي
بقلم فادي زواد السمردلي. …..
*#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال*
الاقتراض العام أداة مالية تقليدية تستخدمها الدول لإدارة العجز المالي وتمويل المشاريع التنموية، إلا أن الاعتماد عليه من دون إصلاحات هيكلية يشكل تهديدًا وجوديًا للاقتصاد الوطني فالدين العام ليس مشكلة في حد ذاته، بل يصبح مشكلة عندما يُستخدم لتعويض عجز السياسات الاقتصادية أو لسد فجوات مالية مؤقتة دون معالجة اختلالات هيكلية في ميزانية الدولة أو في الاقتصاد الكلي فالاقتراض في هذه الحالة يتحول من وسيلة تمويل إلى عبىء متراكم يضعف قدرة الدولة على التحرك الاستراتيجي، ويقيد حرية السياسة المالية والنقدية، ويزيد من هشاشة الاقتصاد أمام الصدمات الخارجية والداخلية.
التحليل الاقتصادي يشير إلى أن القروض التي تُخصص للنفقات الجارية غير المنتجة، مثل تمويل الرواتب والمخصصات أو تغطية العجز التشغيلي، لا تؤدي إلى خلق قيمة مضافة أو تحسين القدرة الإنتاجية للاقتصاد على العكس، تراكم الدين العام في ظل اقتصاد غير منتج يرفع كلفة خدمة الدين، ويجعل جزءًا متزايدًا من الموارد العامة مخصصًا للفوائد والسداد، بدلًا من الاستثمار في القطاعات الإنتاجية وهذا التوجه يخلق حلقة مفرغة الاقتراض يزداد لتغطية العجز، والعجز يزداد بسبب ارتفاع خدمة الدين، بينما النمو الاقتصادي يتراجع نتيجة ضعف الاستثمار والإنتاج وفي مثل هذه الحالة، يمكن وصف الاقتراض بلا إصلاح بأنه شكل من أشكال الانتحار الاقتصادي المخطط، لأنه يضع الدولة على مسار لا محيد عنه نحو تراكم الدين وتقييد القدرة المالية على المدى المتوسط والطويل.
الخبرة الاقتصادية العالمية تظهر أن الاقتصادات التي تراكم الدين دون إصلاحات هيكلية تواجه ثلاث مشكلات متزامنة أولاً، ارتفاع تكلفة التمويل نتيجة تراجع الثقة في قدرة الدولة على السداد، مما يزيد من معدلات الفائدة على القروض الجديدة ويضغط على الموازنة ثانيًا، تقل القدرة على الاستثمار العام في القطاعات الإنتاجية، مثل البنية التحتية والتكنولوجيا والتعليم، ما يضعف النمو المحتمل ويحد من القدرة التنافسية للاقتصاد ثالثًا، ينعكس الدين المتراكم على القطاع الخاص من خلال رفع أسعار التمويل، وزيادة الضغوط الضريبية، وتقليل السيولة المتاحة للاستثمار الخاص، ما يؤدي إلى تراجع النشاط الاقتصادي الكلي.
الإصلاحات الهيكلية هي الوسيلة الوحيدة لتحويل القروض من أداة تمويل مؤقتة إلى محرك للنمو المستدام فهذه الإصلاحات تشمل إعادة هيكلة الإنفاق العام، وتحسين كفاءة الإدارة المالية، وإصلاح النظام الضريبي لتوسيع الإيرادات دون إرهاق القطاعات الإنتاجية، وتعزيز الشفافية والمساءلة لمكافحة الهدر والفساد كما تتضمن الإصلاحات الاستثمار في القطاعات ذات العائد الاقتصادي المرتفع، مثل الصناعة عالية القيمة، والتقنية الحديثة، والزراعة الموجهة للسوق، بهدف زيادة الناتج المحلي الإجمالي وتحقيق التوازن بين النمو وإدارة الدين.
الاقتراض بدون إصلاحات هيكلية يشبه إعطاء مسكن مؤقت لمريض مزمن قد يخف الألم على المدى القصير، لكنه لا يعالج الأسباب الجوهرية للمرض، وبالتالي يصبح الانهيار الاقتصادي مسألة وقت وفي ظل هذا النهج، يتحمل المواطنون زالأجيال القادمة عبىء الدين، بينما يظل الاقتصاد عاجزًا عن تحقيق نمو مستدام وتحسين مستوى المعيشة.
باختصار، الاقتراض بلا إصلاح ليس مجرد خطأ إداري، بل هو قرار اقتصادي استراتيجي خاطئ، يضع الاقتصاد الوطني على مسار غير مستدام فالاقتصاديات التي تريد أن تحمي نفسها من الانهيار يجب أن تدمج القروض ضمن خطة إصلاحية شاملة، تشمل الاستثمار في القطاعات الإنتاجية، وإعادة هيكلة الإدارة المالية، وتحسين القدرة التنافسية للاقتصاد. فقط عندها يمكن للقروض أن تتحول من عبء إلى أداة للنمو والتنمية المستدامة.
الكاتب من الأردن