فادي السمردلي يكتب :أثر التمويل الغربي على استقلال منظمات المجتمع المدني (NGOs) في الأردن

بقلم فادي زواد السمردلي  …..

 

*#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال*

يشكّل التمويل الغربي الموجَّه لمنظمات المجتمع المدني في الأردن ظاهرة معقّدة تتداخل فيها الأبعاد التنموية مع الاعتبارات السياسية والثقافية، مما يجعل مسألة استقلال هذه المنظمات موضع نقاش جاد ومتواصل فمن جهة، لا يمكن إنكار الدور الذي لعبته المنح الخارجية في دعم مشاريع إنسانية وخدمية، خصوصًا في مجالات الإغاثة، وتمكين الفئات الهشّة، وبناء القدرات المؤسسية. ومن جهة أخرى، يبرز سؤال محوري يتعلق بمدى تأثير هذا التمويل على استقلال القرار المؤسسي، وعلى قدرة هذه المنظمات على العمل وفق أولويات وطنية نابعة من الواقع الأردني لا من شروط الجهات المانحة.

ينطلق هذا النقاش من حقيقة أن مصادر التمويل ليست محايدة بالكامل، إذ غالبًا ما تحمل معها رؤى وأطرًا فكرية وقيمية محددة فالجهات الغربية المانحة، سواء كانت حكومات أو مؤسسات دولية أو منظمات كبرى، تعمل ضمن سياسات عامة تخدم مصالحها الاستراتيجية أو تصوراتها الخاصة للتنمية وحقوق الإنسان والإصلاح وعندما تعتمد منظمة محلية على هذا التمويل بشكل أساسي، فإنها قد تجد نفسها مضطرة لتكييف برامجها وخطابها بما يتوافق مع تلك الشروط، حتى وإن لم تكن منسجمة تمامًا مع السياق الاجتماعي أو الثقافي المحلي.

يظهر أثر ذلك بوضوح في طبيعة المشاريع التي يتم تمويلها، حيث تُفضَّل أحيانًا موضوعات بعينها على حساب قضايا محلية أكثر إلحاحًا فهذا التوجيه غير المباشر قد يؤدي إلى تهميش احتياجات حقيقية للمجتمع الأردني، واستبدالها بأولويات مصاغة خارجيًا، مما يخلق فجوة بين المجتمع والمنظمات التي يُفترض أن تمثله وتعمل باسمه ومع مرور الوقت، قد تتحول هذه المنظمات من أدوات خدمة مجتمعية إلى منصات تنفيذ لبرامج مصممة خارج الحدود.

كما أن الاعتماد المالي الكبير على التمويل الغربي يضعف مناعة القرار الداخلي للمنظمات فاستقلالية أي مؤسسة لا تُقاس فقط بحرية خطابها، بل بقدرتها على رفض أو تعديل أو إعادة توجيه الدعم بما يخدم رسالتها الأساسية وعندما يصبح بقاء المنظمة مرهونًا باستمرار التمويل الخارجي، فإن هامش المناورة يضيق، وتصبح الاستقلالية مهددة، حتى لو لم يكن ذلك ظاهرًا للعيان.

على الصعيد المجتمعي، يترك هذا الواقع أثرًا على ثقة المواطنين بمنظمات المجتمع المدني فحين يشعر الناس بأن بعض هذه المنظمات تتحرك وفق أجندات خارجية، تنشأ حالة من الشك والارتياب، قد تصل أحيانًا إلى رفض العمل المدني برمّته وهذا أمر بالغ الخطورة، لأن المجتمع المدني يشكّل ركيزة أساسية في أي عملية تنموية أو إصلاحية، وإضعافه يعني إضعاف قدرة المجتمع على التعبير عن نفسه وتنظيم جهوده بشكل مستقل.

من هنا، تبرز أهمية التعامل مع التمويل الغربي بحذر ووعي، لا من منطلق الرفض المطلق، ولا من باب القبول غير المشروط فالحيطة المطلوبة تبدأ بتعزيز الشفافية، عبر الإفصاح الواضح عن مصادر التمويل وأهدافه وآليات صرفه، بما يسمح برقابة مجتمعية ومؤسسية فعّالة كما تتطلب هذه الحيطة العمل على بناء مصادر تمويل محلية، سواء من القطاع الخاص أو من المبادرات المجتمعية، لتقليل الاعتماد على الخارج وتعزيز الاستقلال المالي.

إلى جانب ذلك، يقع على عاتق الدولة دور تنظيمي مهم يتمثل في وضع أطر قانونية واضحة توازن بين دعم العمل الأهلي وحماية السيادة الوطنية فهذه الأطر يجب أن تضمن حرية العمل المدني، وفي الوقت ذاته تمنع توظيف التمويل الخارجي بما يضر بالمصلحة العامة أو يخلق اختلالات اجتماعية وسياسية.

في المحصلة، إن أثر التمويل الغربي على استقلال منظمات المجتمع المدني في الأردن ليس مسألة سوداء أو بيضاء، بل قضية مركبة تتطلب وعيًا نقديًا مستمرًا فالحفاظ على استقلال هذه المنظمات هو شرط أساسي لضمان قيامها بدورها الحقيقي كجسر بين الدولة والمجتمع، وكصوت يعبر عن احتياجات الناس وتطلعاتهم، لا كامتداد غير معلن لأجندات خارجية.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا