الطاقة… وما أدراك ما الطاقة.. قصمة ظهر أم فكُّ رقبة
بقلم العميد المتقاعد هاشم المجالي …………….
ما من أمةٍ نهضت إلا وكانت الطاقة في يدها،
وما من أمةٍ انكسرت إلا وكانت الطاقة قد سُلبت منها،
إما قهرًا، أو غفلةً، أو حسن ظنٍّ في غير موضعه.
حدّثوني يومًا عن الفقر،
فقلت: ليس الفقر قلّة الموارد،
بل ضياع العقول التي تُحسن إدارتها،
وسوء الأيدي التي تُمسك بها.
نحن قومٌ حبانا الله شمسًا لا تغيب،
وريحًا لا تهدأ،
وصخرًا يخزن في جوفه نارًا لو أُحسن إشعالها لأضاءت البلاد،
ومع ذلك… نعيش في عتمة السؤال،
وندفع ثمن الضوء أضعاف ما يدفعه من لا يملك شمسًا ولا صخرًا.
دخلنا عصر الطاقة متأخرين،
وخرجنا منه مثقلين بالعقود،
مكبّلين بالالتزامات،
كأننا استبدلنا قيد الاستيراد بقيد الاتفاقيات،
واشترينا الوهم باسم التنمية.
قالوا لنا: هذه مشاريع استراتيجية،
فصفقنا،
وقالوا: هذه حلول للمستقبل،
فصبرنا،
فلما جاء المستقبل… لم نجد إلا الفواتير،
ولم نجد في جيوبنا إلا صدى الوعود.
وأما مجلس الأمة،
فهو كالقاضي الذي يعرف الجاني،
ويرى الجريمة،
ويُحسن الخطابة عنها،
ثم إذا جاء وقت الحكم… سكت،
كأن العدل صار ثقيلاً على الألسن،
خفيفًا على الشاشات.
رأينا نوابًا يفتحون ملفاتٍ لو فُتحت بحق لزلزلت الأرض،
ثم رأينا الملفات تُطوى،
والأصوات تخفت،
والأسئلة تموت موتًا بطيئًا لا يُكتب له نعي.
وأعجب ما في الأمر
أن كلمة الحق لا تُقال إلا بعد زوال المنصب،
وكأن الصدق لا يعيش إلا في المنفى،
ولا يُسمح له بدخول المكاتب.
فإذا سألنا:
أين مردود الطاقة؟
قالوا: في الحسابات.
وإذا قلنا: وأين الحساب؟
قالوا: في الأدراج.
وإذا قلنا: وأين الشعب؟
قالوا: اصبروا… فالصبر سياسة.
يا سادة،
إن الوطن لا ينهض بالخطب،
ولا تُدار الدول بالمسكنات،
ولا تُشترى الثقة بالقوة،
بل تُبنى بالعدل،
ويُحرس مستقبلها بالمحاسبة.
وما ضاعت الطاقة من بين أيدينا،
إلا يوم ضاعت الإرادة،
وما ثقلت كلمة الحق،
إلا يوم خفّ ميزان المسؤولية.
فإن أردتم وطنًا دافئًا لا يحترق أبناؤه بالفواتير،
فأعيدوا للطاقة معناها،
وللمنصب قيمته،
وللكلمة وزنها…
قبل أن نصبح أمةً تملك كل شيء،
ولا تنتفع بشيء.
الكاتب من الأردن