كلمة قالها قائد الجيش: موقف سيادي أم حياد ملتبس
غنى شريف. ….
في واشنطن!!! سؤال واحد، وإجابة واحدة، كانتا كفيلتين بإنهاء الاجتماع وفتح باب واسع من التأويلات السياسية والدبلوماسية.
سأل غراهام: هل تعتبر حزب الله منظمة إرهابية؟
أجاب هيكل بهدوء: “لا، ليس في سياق الوضع اللبناني”.
انتهى اللقاء.
قد تبدو العبارة قصيرة، لكنها في السياسة ليست تفصيلاً. هي كلمة بكل ما تحمله من رمزية، تشبه في معناها تلك اللحظة التاريخية التي نُسب فيها إلى الإمام الحسين بن علي قوله لعبيد الله بن زياد: «إنها كلمة… قلها وحسب»، قبل أن يضيف: «وما الحياة إلا كلمة». كلمة واحدة، لكن ثمنها كان مساراً كاملاً من المواجهة.
كلمة سيادية في وجه تصنيف جاهز
لم يكن موقف قائد الجيش إعلاناً سياسياً ولا خروجاً عن الثوابت الدولية، بقدر ما كان تعبيراً عن قراءة لبنانية لواقع داخلي شديد التعقيد. فالولايات المتحدة تصنّف حزب الله منظمة إرهابية منذ عقود، وتبني على هذا التصنيف سياساتها وعقوباتها. أما الجيش اللبناني، فيتحرك ضمن سياق مختلف: دولة منقسمة، مجتمع متعدد، وسلاح خارج الدولة لكنه متجذّر في بيئة سياسية وشعبية.
من هذا المنطلق، كانت “لا” التي قالها في واشنطن دفاعاً عن معادلة الاستقرار أكثر مما هي تحدٍّ لواشنطن.
الجيش وحزب الله: علاقة بلا عناوين كبرى
تُعد العلاقة بين الجيش اللبناني وحزب الله من أكثر الملفات حساسية في الحياة السياسية اللبنانية. فهي ليست تحالفاً، وليست خصومة مفتوحة. يمكن توصيفها بما يشبه التعايش الأمني الحذر الذي فرضته الوقائع منذ نهاية الحرب الأهلية.
فالجيش، بوصفه المؤسسة العسكرية الشرعية، يلتزم بالدستور وبقرارات الحكومة اللبنانية وبمبدأ حصرية السلاح بيد الدولة. وفي الوقت نفسه، يتعامل مع واقع أن حزب الله قوة عسكرية قائمة، لها امتداد سياسي وشعبي، وأن أي صدام مباشر معها قد يؤدي إلى تفجير داخلي واسع، لا قدرة للدولة على تحمّل تبعاته.
في محطات مفصلية، مثل معارك الجرود ضد التنظيمات الارهابية : الجيش قاتل بقراره الوطني المستقل، وحزب الله خاض معركته في مسار موازٍ، من دون تنسيق معلن أو قيادة مشتركة، لكن مع تقاطع في الهدف الأمني العام. هذا النموذج لم يتحول إلى عقيدة دائمة، بل بقي استثناءً ظرفياً فرضته الضرورة.
هذا التوازن الدقيق هو ما يحاول قائد الجيش الحفاظ عليه، داخلياً وخارجياً.
واشنطن والحدود القصوى للتفاهم
من هنا، يمكن قراءة ما جرى في واشنطن بوصفه اصطداماً بين منطقين مختلفين : منطق أميركي يقوم على تصنيفات واضحة وحاسمة، ومنطق لبناني براغماتي يسعى إلى تجنّب الانفجار الداخلي. ما اعتبره غراهام موقفاً غير مقبول، رآه هيكل ضرورة وطنية.
لم يقل قائد الجيش إن حزب الله نموذج يُحتذى، ولم يدافع عن سلاحه، لكنه رفض أن يكون الجيش طرفاً في معركة سياسية دولية لا يملك لبنان أدواتها ولا نتائجها. كانت تلك “كلمة لحماية موقع الجيش” كمؤسسة جامعة، لا كطرف في صراع داخلي أو إقليمي.
كما في التاريخ… الكلمة لها ثمن
في قصة الحسين، لم تكن “الكلمة” مجرد لفظ، بل موقفاً وجودياً. وفي واشنطن، لم تكن إجابة هيكل تفصيلاً لغوياً، بل تعبيراً عن حدود الممكن اللبناني في عالم لا يعترف بالرماديات. كلمة واحدة، لكنها أعادت طرح السؤال القديم:
كيف يمكن لمؤسسة وطنية أن تحافظ على سيادتها، من دون أن تخسر دعم الخارج أو سلام الداخل؟
بين السياسة والتاريخ، بين واشنطن وكربلاء، يبقى الثابت أن “الكلمات أحياناً تصنع مصيراً.” وقائد الجيش اللبناني قال كلمته… وترك للتداعيات أن تأخذ مداها.
الكاتبة من لبنان