بين الرصيف والياقة البيضاء: حين يصبح الفقر عاراً وعزة النفس ستاراً

بقلم: [د. منى النحلاوي]  …..

خلف الأبواب الموصدة والمزدانة أحياناً بآثار ترفٍ غابر، تدور آلاف القصص التي لا تُروى؛ قصصٌ تتحدث في صمت عن صراع مرير لتأمين “لقمة العيش” لغدٍ مجهول. هناك، حيث ينفد الراتب قبل انتصاف الشهر، يقف رب الأسرة حائراً في تساؤل مرير: “كيف سأدبر أموري؟”، لكنه يبتلع غصته أمام أطفاله، ممارساً فن الصمود في وجه حياة لم تعد ترحم.
في هذا المشهد، يتجلى التآكل المتسارع للطبقة الوسطى، لنقف أمام “مركزية طبقية” حادة؛ بين فئة تزداد انعزالاً في ثرائها، وطبقة “منحدرة اجتماعياً” تزداد اتساعاً تحت وطأة الحاجة والبطالة.
البطالة: الثقب الأسود الذي يبتلع الكرامة
إن معدلات البطالة المتزايدة ليست مجرد أرقام صماء في جداول الإحصاء، بل هي المحرك الأول لهذا الانحدار الطبقي الجارف. فعندما تتحول البطالة إلى واقع مفروض، يجد الفرد نفسه محاصراً بين طموحه وبين واقع يرفض الاعتراف بوجوده.
البطالة هنا هي التي تكسر “عمود الخيمة” في الأسر المستورة، وهي التي تضع عزة النفس في اختبار يومي قاسٍ؛ فالشاب أو رب الأسرة الذي لا يجد عملاً لا يواجه نقص المورد المادي فحسب، بل يواجه “حكماً بالإقصاء” من دورة الحياة الاجتماعية والمهنية، وكأنه عقاب على ذنبٍ لم يقترفه.
عزة النفس: حين يطغى الكبرياء على ألم الجوع
مع تفاقم أزمتي الفقر والبطالة، تبرز قيمة عليا يمتلكها هؤلاء المستورون: “عزة النفس”. نجد آلاف العائلات التي تلوذ بالصمت، ولا تتفوه بكلمة تُظهر حاجتها، ليس لعدم شعورهم بالألم، بل نتاجاً لثقافة “العفة والكرامة”.
هؤلاء الذين يفضلون “ألم الجوع” على “ذل السؤال”، ويرفضون أن يكونوا مادة للشفقة أو حديثاً عابراً في المجالس، يمثل صمتهم أعظم احتجاج على مجتمع استهلاكي بات يربط قيمة الإنسان بمستوى إنفاقه، لا بنبل كفاحه وصبره.
خوفاً من المجتمع.. لا من القدر
لماذا يختار هؤلاء هذا الاختباء المضني؟ لأن “خوف الضحية من نظرة المجتمع” بات يفوق خوفها من العوز ذاته. لقد حولت الثقافة الاجتماعية السائدة الفقر إلى “منقصة”، والبطالة إلى “فشل شخصي” يلاحق صاحبه.
لذا، يضطر المرء لمواراة عجزه خلف ياقة بيضاء نظيفة، محاولاً الحفاظ على الحد الأدنى من “الصورة المحترمة”، هرباً من أحكام جاهزة لا ترحم، ومن مجتمع يمنح تقديره لمن “يملك” ويسلب القيمة ممن “فقد”.
الخلاصة: أمانة في عنق الضمير الجمعي
لقد آن الأوان لنمزق ستارة “العيب” عن وجه الفقر والبطالة، ونستبدلها بمفهوم “العدالة الاجتماعية”. إن عزة النفس التي يمتلكها الملايين خلف أبوابهم المغلقة هي أمانة في عنق الضمير الجمعي، وليست مبرراً لتجاهل معاناتهم أو تركهم لمواجهة مصيرهم وحدهم.
الفقر والبطالة ليسا قدراً محتوماً، والطبقات الكادحة ليست مجرد أرقام في دراسات اقتصادية، بل هي أرواحٌ كريمة ترفض الانكسار. يجب أن نتحول إلى مجتمع يحمي “العفة” ويفتح أبواب الفرص، بعيداً عن مركزية طبقية لا ترى في الرصيف إلا مكاناً للمنبوذين.

الكاتبة من الأردن

تقيم في الولايات المتحدة الأمريكية

قد يعجبك ايضا