قلب الهرم الغذائي.. تعديل أم تلاعب
د. ماجد الخواجا …..
في كل مفصلٍ سياسيٍ حاسم، تخرج علينا قصص ومواقف تقلب الطاولة برمَّتها وتعيد تشكيل المشهد بطريقةٍ مغايرةٍ تماماً لما كان سائداً عبر السنين.
الان تقرر الجهات السياسية والتجارية الأمريكية، تغيير شأناً صحيّاً أصبح عبر الامتداد الزمني بمثابة قواعد ومسلمات وبدهيات صحية لا غبار عليها، ومنها ذلك الشكل الذي نشاهده في العيادات والمستشفيات لهرم مكتظ بكافة أنواع البروتينات والنشويات والفيتامينات والكاربوهيدرات بأشكالها من الخضروات والفواكه واللحوم والبقوليات وغيرها. إنه ما تسميه الجهات الغذائية ” الهرم الغذائي الصحّي”.
دليل الهرم الغذائي هو دليل على شكل هرم من الأطعمة الصحية مقسَّمة إلى أقسام لإظهار الكمية الموصى بها لكل مجموعة غذائية. أعلن عن أول هرم غذائي في السويد عام 1974. وطُرح الهرم الغذائي المعروف على نطاق واسع من قبل وزارة الزراعة الأمريكية في عام 1992، وتم تحديثه في عام 2005، ثم تكرر تحديثه عام 2011. وهناك أكثر من 25 بلداً ومنظمات قامت بنشر أهرامات غذائية.
” الأساسيات السبعة التي وضعتها وزارة الزراعة في الولايات المتحدة وسط ارتفاع أسعار المواد الغذائية في عام 1972، مما تسبب في تراتبية معيّنة للهرم. ووضع المجلس الوطني للصحة والرعاية الاجتماعية في السويد فكرة ” الأطعمة الأساسية” التي كانت تتصف بأنها رخيصة ومغذِّية، ويقابلها “الأغذية التكميلية” التي تم إضافتها إلى الغذاء وتفتقد لها المواد الغذائية الأساسية
تم تقسيم الهرم إلى الأغذية الأساسية في القاعدة، بما في ذلك الحليب والجبن والسمن والخبز والحبوب والبطاطا، وقسم كبير من الخضراوات والفواكه التكميلية، وفي القمة اللحوم التكميلية والأسماك والبيض.
ووضعت منظمة الصحة العالمية WHO ، ومنظمة الأغذية العالميةFAO ، المبادئ التوجيهية التي يمكن أن تكون ممثلة بشكل فعَّال في الهرم الغذائي، والتي تهدف لمنع السمنة والأمراض المزمنة وتسوُّس الأسنان وتعتمد على التحليل الذاتي، ووضعتها بجدول بدلا من “الهرم”. بحيث تقلل من اعتبار الترتيب الهرمي وكأنه يمنح قيمة ومكانة لنوع الغذاء تبعاً لموقعها في الهرم الغذائي. حيث يجري نوع من التداعي النفسي باعتبار أن الغذاء الأعلى في الترتيب الهرمي، يحتل مكانةً وأهمية من الغذاء في الترتيب الأقل هرمياً.
في إرشادات 2025-2030، عاد الهرم الغذائي، لكن شكله وبعض توصياته معكوسة: فالبروتينات والدهون الحيوانية – سواء من مصادر حيوانية أو نباتية – تحظى بنفس المساحة في القمة التي تحظى بها الخضراوات والفواكه، مما يدل على التركيز على زيادة استهلاك البروتين.
هذا الهرم الذي انقلب رأساً على عقب يدلل بأن كثيراً من شؤون العالم تتحكم فيها قلّة وتعيد ترتيبها أو دمجها أو شطبها، فقط لمجرد مصالحها الذاتية الجشعة التي لا همّ لها غير زيادة الربحية والعائد منها.
الان الترويج للبروتينات والأغذية الأساسية، وأصبحت النشويات وعناصر الطاقة ليست ذات أولوية في هرم الغذاء.
ستستمر هذه المتوالية الهندسية من إعادة البرمجة والتهيئة وضبط المجتمعات ما دام رأس المال هو المسيّطر في الذهنية الدولية الإمبريالية.
الكاتب من الأردن