جنود حطوا رحالهم على ربى الخلد
د.الطيب النقر …..
إن للقوات المسلحة التي عجمتها الخطوب، وحنكتها التجارب، جنودًا مجهولين في هذه الدنيا، ولكنهم حتماً سيكونون غداً أعلاماً شامخة في ربى الخلد، جنودًا قدّموا مهجهم رخيصة، ليس طعماً في نفوذ، أو رغبة في سلطان، ولكن من أجل صون هذا التراب الغالي، الذي أحاطوه من كل جانب، وفدوه من كل إنسان رخيص وطامع.
لقد شاهدت هذه القوات التي لا تصرعها الشدائد، ولا تضعضعها النوائب، والتي تشقى ليسعد الناس، وتموت ليحيا الوطن، حينما اكتنفت مدن وقرى السودان جحافل الذعر والاضطراب، وعانت مناطقه من الغدر المفجع، والذعر المفزع، رأيت أسود المؤسسة العسكرية الباسلة التي عجمت عودها الأحداث، تقاتل في شجاعة أوغاد من هتكوا أستار البلاد بالخزايا والمذام، وشرى ضمائر الساسة بالعطايا والبسل الحرام، ومنّى غمار الناس بالتنمية والسلام، أبصرتها في دفاعها المشروع، وجهادها المقدس طليقة العنان، حرة الإرادة، تكسر شوكة من طغى وتجبر، وتقلم ظفر من اغتر وتكبر، وأعادت الهيبة لدولة لا ينبغي أبداً أن يعصف برأسها الحياء ويعقل لسانها التزايل، لأنها ورثت ممن قطنوها وثاقة التركيب، وشجاعة القلب، إنني لا أبالغ في الثقة، أو أسرف في الغلو، إذا زعمت أن قواتنا التي تسربلت بالشجاعة والشرف، وتحصنت بالصبر، وتدرعت بالثقة بالله، والتي عاشت حزينة الفؤاد، محروقة الجوى، ملدوغة النفس، وهي ترى من تبدّدت فيهم مخايل الرجولة فأظلم حسّهم، وحفت الرذائل على طباعهم، يسبغوا التهم الفواجر، ويستعينوا على إثبات ترهاتهم بالكذب، والتدليس، والافتراء، لا أراني ركبت متن الشطط والجموح، إذا زعمت أن أصحاب الأنفس الأبية، والأنوف الحمية، لا يضاهيهم أحد في قوة الجنان، وسلامة الوجدان، وعظمة الإيمان وعشق الأوطان، لأجل ذلك نصرها الله على من خرج عليها لغلول في نفسه، أو تنمر لها لنكول في طبعه.
وتمضي مسيرة خواضي الغمرات، أصحاب الساعد المجدول، والعضد المفتول في جنوب النيل الأزرق في “السِلّك ومَلكْن وغيرها” تجدد ما رثّ من حبل الدين، وتجمع ما شت من شمل الكرامة، لا تأبه لمنجل الموت الحاصد، الذي خطف فتية في ميعة الشباب، وربيع العمر، أو تكترث لوعيد بغيض عرشه مرفوع في “يابوس” على غثاء العمالة والارتزاق، تمضي قواتنا المسلحة متوثبة العزيمة، دائبة الحركة، وهي تطوي طريقًا دامي المسالك، معبد بالمنايا والحتوف، لتحرر بقاع خنس فيها الشرك، وجال فيها الشيطان، تحرر أخاديد الأرض، وبطون الأودية، وذرى الجبال، من ضلال العقيدة، وشيوع العصبية، وتفشي الجهالة، نعم لقد طهر حماة الحقائق وأباة الذُل أماكن تتبع” لمحلية باو” من دنس الأوخاش الأوباش، أهل المعصية والإلحاد، الذين لا يحجزهم تُقى، ولا يردعهم نهى، لتقهقر تلك الطائفة التي اشتبه عليها الحق، والتبس عليها الصواب إلى مأوى من نغلت نياتهم، وسقمت ضمائرهم، إلى تلك البقعة التي ضاقت بها المصائب، وكشرت في وجهها الخطوب، “أولو” التي خبرت لجة المعارك، واعتادت على صخب الحروب، تنتظر أن تتطاير فيها الجماجم وتذوب مهج من تسلطت عليهم الغرائز، وتحكم فيهم الشهوات، أصحاب النحل الخبيثة، والمطامع الخسيسة، “عملاء الدويلة” الذين حلّوا عصم الفتن وسعروا نار الهيجاء، ليبقى في خاتمة المطاف من عاش في سلام مع نفسه، ووئام مع الناس، إنسان الولاية صاحب الحس اللطيف، والطبع الشريف، يترقب بزوغ الفجر، بعد تطاول الليل واعتكار الظلام
د.الطيب النقر
الكاتب من السودان