فادي السمردلي يكتب: الفقر لا يُقضى عليه بالمساعدات بل بالتنمية

بقلم فادي زواد السمردلي  …..

 

#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

يُعدّ الفقر من أكثر القضايا الاجتماعية والاقتصادية تعقيدًا وتشابكًا، إذ لا يمكن فهمه أو معالجته بوصفه نقصًا مؤقتًا في الدخل أو خللًا فرديًا في القدرة على الكسب، بل هو نتيجة مباشرة لبنى اقتصادية مختلّة، وسياسات عامة قاصرة، واختلالات مزمنة في توزيع الموارد والفرص ومن هذا المنطلق، فإن مقاربة الفقر عبر المساعدات والصدقات، رغم ضرورتها الظرفية في حالات الطوارئ، لا تمثل حلًا استراتيجيًا، بل تظل أداة مؤقتة لمعالجة الأعراض دون المساس بالأسباب الجذرية للمشكلة.

المساعدات الاجتماعية بطبيعتها ذات طابع إسعافي، تهدف إلى التخفيف الآني من حدة الحرمان، لكنها لا تُحدث تحولًا هيكليًا في الواقع الاقتصادي للفئات الفقيرة بل إن الاعتماد المفرط عليها قد يؤدي إلى نتائج عكسية، من أبرزها تكريس ثقافة الاتكالية، وإضعاف الحوافز الإنتاجية، وتحويل الفقر من حالة استثنائية إلى وضع دائم تديره الدولة أو المؤسسات بدل أن تسعى إلى إنهائه وعندما تُختزل السياسات الاجتماعية في توزيع الإعانات، فإنها تفشل في بناء رأس مال بشري قادر على المشاركة الفاعلة في الاقتصاد.

في المقابل، تقوم التنمية المستدامة على مقاربة شمولية تعالج الفقر باعتباره قضية بنيوية متعددة الأبعاد فهي لا تقتصر على النمو الاقتصادي المجرد، بل ترتكز على تحسين نوعية الحياة، وتوسيع خيارات الأفراد، وتعزيز قدراتهم الإنتاجية. ويُعد الاستثمار في رأس المال البشري، من خلال التعليم النوعي والرعاية الصحية الشاملة، الركيزة الأساسية لأي استراتيجية تنموية جادة فالتعليم لا يُكسب الفرد مهارات سوق العمل فحسب، بل يرفع وعيه الاقتصادي والاجتماعي، ويعزز قدرته على اتخاذ قرارات رشيدة تخرجه من دائرة الهشاشة.

كما أن التنمية المستدامة تتطلب سياسات اقتصادية قادرة على توليد فرص عمل منتجة ولائقة فغياب فرص العمل، أو انتشار العمل الهش منخفض الأجر، يُعد من أبرز مسببات الفقر حتى في الاقتصادات التي تحقق معدلات نمو مرتفعة لذلك فإن ربط النمو الاقتصادي بخلق فرص العمل، ودعم القطاعات كثيفة التشغيل، وتشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، يُعد شرطًا أساسيًا لتحويل النمو إلى أداة حقيقية لمكافحة الفقر.

ولا يمكن إغفال دور السياسات العامة في إعادة توزيع الدخل والثروة فالفقر ليس فقط نتيجة ضعف الإنتاج، بل هو في كثير من الأحيان نتيجة سوء التوزيع أنظمة ضريبية غير عادلة، إنفاق عام غير موجه، وفساد إداري، كلها عوامل تسهم في تعميق الفجوة الاجتماعية ومن هنا، فإن الحوكمة الرشيدة، والشفافية، وتوجيه الإنفاق العام نحو الخدمات الأساسية والبنية التحتية في المناطق المهمشة، تشكل عناصر حاسمة في أي مشروع تنموي مستدام.

إضافة إلى ذلك، فإن التنمية الحقيقية تستوجب إشراك الفئات الفقيرة نفسها في عملية التخطيط وصنع القرار فالمقاربة الفوقية التي تتعامل مع الفقراء كمتلقين سلبيين للمساعدة أثبتت فشلها بينما يتيح التمكين الاقتصادي والاجتماعي، من خلال إشراك المجتمعات المحلية، فهمًا أدق لاحتياجاتها، ويضمن استدامة التدخلات التنموية وفعاليتها.

خلاصة القول، إن الفقر لا يُهزم بالصدقات مهما بلغت قيمتها، ولا بالإعانات مهما طال أمدها، بل يُهزم حين تتوفر إرادة سياسية واضحة، ورؤية تنموية طويلة المدى، وسياسات قائمة على العدالة والكفاءة فالتنمية المستدامة ليست خيارًا نظريًا، بل ضرورة حتمية لكل مجتمع يسعى إلى الاستقرار والازدهار وكل تأجيل لهذا التحول من منطق الإعالة إلى منطق التنمية، هو في جوهره إطالة لعمر الفقر لا محاربته.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا